أعمدة صحفية

معادلات

 

علي يس

من خواطر ما قبل الثورة:

كم تشبهيننا، يا “يوليا فاسيليفنا”

24 يوليو 2018

لو عاش عبقري القصة القصيرة، الروسي أنطون شيكوف، في زماننا هذا وقدر له أن يرى السودان، لجعل بطل قصته الرائعة أدناه، الشعب السوداني بدلاً عن المربية “يوليا فاسيليفنا”.

اقرأ قصة شيكوف لترى كم تشبهنا الآنسة فاسيليفنا..

(منذ أيام دعوتُ إلى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها

–  قلت لها: اجلسي يا يوليا.. هيّا نتحاسب.. أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود ولكنك خجولة إلى درجة أنك لن تطلبيها بنفسك.. حسناً.. لقد اتفقنا على أن أدفع لك (ثلاثين روبلاً) في الشهر

–  قالت: أربعين

–  قلت: كلا.. ثلاثين.. هذا مسجل عندي.. كنت دائماً أدفع للمربيات (ثلاثين روبلاً)..

–  حسناً

–  لقد عملت لدينا شهرين

–  قالت: شهرين وخمسة أيام

–  قلت: شهرين بالضبط.. هذا مسجل عندي.. إذن تستحقين (ستين روبلاً) ..

نخصم منها تسعة أيام آحاد.. فأنت لم تعلّمي (كوليا) و(فاريا) في أيام الآحاد، بل كنت تتنزهين معهما فقط.. ثم ثلاثة أيام أعياد .

تضرج وجه (يوليا فاسيليفنا) وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن لم تنبس بكلمة

واصلتُ..

– نخصم ثلاثة أعياد، إذن المجموع (إثنا عشر روبلاً).. وكان (كوليا) مريضاً أربعة أيام ولم يكن يدرس.. كنت تدرّسين لـ(فاريا) فقط.. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء.. إذن إثنا عشر زائد سبعة.. تسعة عشر.. نخصم، الباقي.. (واحد وأربعون روبلاً).. مضبوط؟

–  احمرّت عين (يوليا فاسيليفنا) اليسرى وامتلأت بالدمع، وارتعش ذقنها.. وسعلت بعصبية وتمخطت، ولكن.. لم تنبس بكلمة

–  قلت: قبيل رأس السنة كسرتِ فنجاناً وطبقاً.. نخصم (روبلين).. الفنجان أغلى من ذلك فهو موروث، ولكن فليسامحك الله!! علينا العوض.. وبسبب تقصيرك تسلق (كوليا) الشجرة ومزق سترته.. نخصم عشرة.. وبسبب تقصيرك أيضاً سرقتْ الخادمة من (فاريا) حذاء.. ومن واجبكِ أن ترعي كل شيء فأنتِ تتقاضين مرتباً.. وهكذا نخصم أيضاً خمسة.. وفي 10 يناير أخذتِ مني (عشرة روبلات)

–  همست (يوليا فاسيليفنا): لم آخذ

–  قلت: ولكن ذلك مسجل عندي

– قالت: حسناً، ليكن

–  واصلتُ: من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين.. الباقي أربعة عشر

امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع.. وظهرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل.. يا للفتاة المسكينة

–  قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرةً واحدةً.. أخذت من حرمكم (ثلاثة روبلات).. لم آخذ غيرها

–  قلت: حقاً؟.. انظري وأنا لم أسجل ذلك!! نخصم من الأربعة عشر ثلاثة.. الباقي أحد عشر.. ها هي نقودك يا عزيزتي!! ثلاثة.. ثلاثة.. ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي .

ومددت لها (أحد عشر روبلاً(..

فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة.. وهمست: شكراً

انتفضتُ واقفاً وأخذتُ أروح وأجئ في الغرفة واستولى عليّ الغضب

–  سألتها: شكراً على ماذا؟

–  قالت: على النقود

–  قلت: يا للشيطان ولكني نهبتك.. سلبتك!.. لقد سرقت منك!.. فعلام تقولين شكراً؟

–  قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً

-قلت: لم يعطوكِ؟! أليس هذا غريباً!؟ لقد مزحتُ معك.. لقنتك درساً قاسياً ..

سأعطيك نقودك.. (الثمانين روبلاً) كلها.. ها هي في المظروف جهزتها لكِ!! ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجّين؟ لماذا تسكتينين؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الأنياب؟ هل يمكن أن تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة؟

– ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها: “يمكن”

– سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، بدهشتها البالغة، (الثمانين روبلاً) كلها.. فشكرتني بخجل وخرجت

تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ: ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا .

يسرقونك ويمنون عليك بالفتات وأنت راضٍ وشاكر ..

***         ***         ***

أيها الشعب السوداني: هل يمكن أن تكون عاجزاً إلى هذه الدرجة، واللصوص الذين نهبوك، ما يزالون بين ظهرانيك؟؟؟؟؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق