أهم الأخبار

باقية محبتنا ولكن! (4-4))

 

 

عبد الواحد إبراهيم*

أخيرًا:

النهضة وما أدراك ما النهضة:

يقينا لا يخامره شك، أن موقف السودان في سد النهضة، اقتضته المصالح الوطنية، وليس الإضرار بمصر أوغيرها، المصالح المتحققة من قيام السد بالنسبة لنا، ليست بالقليلة، ولا يستهان بها.

 

ويقينا آخر أن مصر وخبراءها، يدركون جيدا استحالة تَمكن اثيوبيا، من حجز مياه النيل إن حاولت، وذلك لأسباب طبوغرافية وجغرافية طبيعية، يستحيل مواجهتها من قبل الإنسان مهما نال من علم وقدرة ومعرفة بالتكنولوجيا، فإن القدرات البشرية تبقى محدودة في مواجهة الطبيعة، هذا حالة ذهبنا بافتراض سوء النية المطلق لدى اثيوبيا.

 

على الرغم من توفر كميات كبيرة من المياه، بحوض النيل تعادل عشرين ضعف ما يحمله نهر النيل، إلا أن مصر، لم تذهب الى التعاون والشراكة الاستراتيجية مع دول الحوض من أجل تعظيم الفوائد، بتجميع سواقط المياه وجعلها تتجه لمجرى الأنهار، وأظن أن هذه رؤية السودان، قبل حكم الإسلامويين وبعده؛ وفي المستقبل.

 

اذًا اثيوبيا لن تستطيع حبس مياه النيل الأزرق، وكل الضجة أن مصر تدرك أن إعمال مبدأ القانون الدولي، الذي يقول بالاستخدام العادل والمنصف للمياه في الأنهار المشتركة، ربما لن يأتي في صالحها، وتريد جرجرة اثيوبيا ودفعها للتوقيع على اتفاقية تضمن ما أشارت اليه معاهدة تقسيم المياه بين السودان ومصر المعروفة لدينا باتفاقية 1959، والتي لم توقع عليها إثيوبيا، ولم تكن طرفا فيها، ولم تستشر فيها، لا إثيوبيا ولاأيا من دول حوض النيل الأخرى، حيث ترى هذه الدول، أنها غير ملزمة بما اتفقت عليه مصر مع السودان، وأنها:أي هذه الدول، تلتزم فقط  بمبادىء القانون الدولي، التي تقول بمبدأ “الاستخدام العادل والمنصف للدول المتشاطئة في الأنهار.”

وتدرك كل من إثيوبيا ومصر، أن إعمال هذا المبدأ، سيكون المستفيد الأكبر منه السودان، بحكم توفر الأرض، مايزيد عن الـ (60) مليون فدان بالنسبة للأراضي المروية، بينما لا تزيد جملة الأراضي المزروعة حاليا، في مصر وإثيوبيا عن الـ (10) ملايين فدان.

 

كان أولى لمصر تبديل سياسياتها الاقتصادية الداعية الى التوسع في الزراعة، على حساب إمكانيات نسبية أخرى، بسبب وفرة الأيدي العاملة.

ففي بلد يشهد ضخامة في عدد السكان، لا يمكن أن تكون الزراعة، هى الركيزة الأولى للاقتصاد في عصرنا، وذلك لثبات الأرض وقيمة ريعها، والصحيح اقتصاديا، في ظل الكثافة السكانية العالية، أن تتوجه الدولة للصناعة بمختلف قطاعاتها.

وضعية الكثافة الراهنة في مصر (104) ملايين فرد، مقابل (6) ملايين فدان، وأقصى إمكانية لإجراء استصلاح بما فيها الأراضي القاسية في الصحاري، يمكنها فقط أن تصل الى (11) مليون فدان، وتكون مصر بحاجة الى قرابة الـ(20 مليار م مكعب) إضافية من المياه، هذا أدعى لبحث فرص التعاون المشترك مع دول حوض النيل، من أجل تعظيم الفوائد وزيادة الإيرادات.

مصر بحاجة الى مشروعات جديدة، تضمن زيادة التدفقات المائية لنهر النيل، وبالطريقة الحالية التى يتناول بها الإعلام ومراكز الدراسات القضية، فإن دول الحوض ستتجه الى التكتل، وهو أمر بدأ من سنوات؛ وبرز مع اتفاقية (عنتبي)، الخاصة بالتعاون في مشروعات المياه، والداعية الى إعادة توزيع حصص المياه فى الأنهار المشتركة، والتى رفضتها مصر، وتوافق السودان معها مجاملة – (باعتبار أن السودان ما فارقة معاه)- حسب المسؤولين الحكوميين وقتها، والذين توافقوا مع اثيوبيا، حول سد النهضة من العام 2009، قبل أن تذهب إثيوبيا لشركة (سالينى) الإيطالية المنفذة لسد النهضة.

بنفس دهشة المتابعين لصفحات التواصل الاجتماعي لديكم؛ والتي أشرتِ اليها يادكتورة، نندهش نحن للتهديدات التى تأتي يوميا للسودان واثيوبيا، بالسحق والنسف والمحو من الخريطة، والإزالة من الوجود، يتكاثف التهديد لدرجة أن يصعب على المتابع ملاحقته، صحيح أن  التهديد ليس من جهة رسمية، ولكن اعتدنا أن تقوم الدولة المركزية بقبضتها في إخراس كل مهدد لسياستها الخارجية إن لم تتوافق معه، أما الصمت عن ترهات وسائل التواصل هذه، فإنه يشي برضاء أطراف فاعلة في صنع القرار السياسي، وهي آراء حادة تهدد بالويل والثبور للسودان ولإثيوبيا، ولو وجهت لفرد فقط داخل مصر، لواجهته السلطات بسلسلة طويلة من القوانين، ما بالك حين يوجه لدول وشعوب، أحيانا يشمل التهديد جميع دول حوض النيل، ما هذا يا آلهي؟!

 

آراء حادة، تدفع الى استخدام القوة لإيقاف بناء وتشييد السد، وعشرات المُحللين السياسيين، يقولون إنَ مصر لديها خيارات عديدة، ويضغط الفرد منهم على مفردة خيارات، حتى صارت تميمة كل مُحلل مُطلّ علينا من الشاشات، المعنى واضح، لا يحتاج لكثير شرح “كل الخيارات متاحة” في إشارة الى العمل العسكري!.

من بين هؤلاء – للأسف – من هم في مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية، يعني ليسوا “عيال الفيس بوك”، وهو أمر مُكلف ومَكلّف، وفيه خسران كبير لمصر إن تم، لأنه سيعني فقدان مصر لعلاقتها مع أفريقيا، إن حدث وتم ضرب سد النهضة الأثيوبي، إضافة الى ما يجره على مصر من مصاعب فى علاقاتها على الصعيد الدولي، وهو أمر يخالف القانون الدولي، وستحشد له أثيوبيا العالم، وواجب مصر أن توقف تلك التعبئة الخاطئة والشحن الزائد.

 

أخيرا

السودان أي ذنب جناه؟

ليس لبلدنا السودان أي جناية في هذا التنازع بين مصر واثيوبيا، فهو لم يشيد سد النهضة، مثلما لم يشيد السد العالي، الذي تضرر منه كثيرا، وفقد بسببه أراضي زراعية خصبة، ومدينة عريقة (حلفا)،ودفن عشرات القرى ومئات الآلاف من أشجار النخيل المثمرة، مع ذلك لم يُنِر السد العالي”لمبة” واحدة في السودان، رغم إضاءته ربوع مصر الحبيبة.

أي ذنب جناه السودان وهو الذي لم يفكر لإثيوبيا ولا نيابة عنها؟، كما أنه يدفع لها لتبني سد النهضة، بل هي من قامت ببنائة، وأعلنت أن الغرض منه توليد الطاقة الكهربائية، بمعنى استحالة تخزين المياه وتوليد الطاقة الكهربائية في الوقت نفسه، لأن السد مصصم لإنتاج الكهرباء، وبالتالي يتم التحكم فى المياه مؤقتا لأجل تمريرها على التوربينات، المولدة للطاقة الكهربائية.

 

عملية التوليد بهذه الطريقة، من شأنها أن تساعد السودان على تنظيم جريان نهر النيل الأزرق، الذي يغذي النيل الرئيس بالقسم الأكبر من المياه عند الخرطوم، حيث يلتقي مع النيل الأبيض.

 

السودان أيد سد النهضة لأنه ينظم عملية انسياب تلك المياه المهلكة للزرع والضرع والمأوى؛أيده لأنه يحافظ على المياه طوال العام بمنسوب يتيح له تنظيم واستقرار الحياة على النيل الأزرق والتوسع في الزراعة، ويُمكنه من زراعة (2) مليون فدان إضافية، ثم يعمل السد على حجز الطمي الضار مما يساهم في إطالة عمر خزانيْ سنار والرصيرص، فهل مطلوب من السودان ترك هذه المصلحة المتوقعة تحقيقها فقط ليتوافق فقط مع الموقف المصري؟!

 

هل توجد دولة في الدنيا يمكن أن تقوم بهذا؟! الموقف فى الخرطوم حكومي وشعبي، سابقا، وفي النظام الحالي، والنظام القادم، تأثير سد النهضة على مصر، فقط فى فترة ملء البحيرة، وفي انخفاض المنسوب قليلا، ووزارة الري المصرية الأكثر إدراكا لهذا.

والسودان قدم مقترحات بناءة في مفاوضات واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، الدولة التي اختارتها مصر كمراقب.

 

إذا أرادت إثيوبيا أن تملأ البحيرة فى 15 سنة مثلا، فلا تأثير بالمطلق على مصر، والوصول الى فترة معقولة للملء أمر ليس مستحيلا، خصوصا اذا تم تعويض إثيوبيا  فترة انتظار الملء الكامل، بتوفير كهرباء مجانية، أو قيام مصر بتعويضها أو بدفع أصدقائها ومنهم الأمريكيين؛ بأن يساهموا في دفع فاتورة الصبر الإثيوبي للملء، هنا لن يعترض السودان، لأنه لن يضار، لأن المصالح المتوقعة ليست من إسهاماته، ولأنه لم يدفع إثيوبيا لتشييده.

 

ونذكر أن إثيوبيا سبق وأن قررت ملء البحيرة فى (4) سنوات، بعد حديث مرسي وجماعته وأطراف من العملية السياسية المصرية، وتهديدات أيمن نور لإثيوبيا وشتمه السودان على الهواء!

ورغم ذلك تدخل السودان لإيقاف الملء المستعجل.

لكن حتى لو قامت إثيوبيا بالملء في سنوات أقل، فإن ذلك لن يؤثر على حصيلة المياه الواردة لمصر بشكل نهائي، التأثير فقط فى قدرة مصر على مواصلة التخزين.

 

بدلا من التخزين لـ (7) سنوات سيكون تخزينها لسنوات أقل، وستخصم فقط سنوات قدرتها على التخزين خلف بحيرة السد العالي – التي تضرر منها السودان ولايزال – وبعد فترة تعود قدرتها على التخزين، إذًا لا حاجة لإثيوبيا لتحجز أو تخزن المياه أصلا، لأن حجم المياه التى تسقط على الهضبة الإثيوبية أضعاف كمية ما يحمله نهر النيل الأزرق.

 

هل هناك حلول تضمن تدفق وانسياب المياه الى مصر، وتضمن استمرارية الحياة والنمو والتنمية لدول الحوض؟ نعم هناك حلول، رفضتها مصر، وقبلها رفضت التعاون مع السودان بإمداده بالغاز بيعا وشراء، وليس منحة أوهبة.

رفضت مصر مشروعا لاتفاقية تعاون ثلاثي بين الدول المشتركة في حوض النيل الشرقي، اتفاقية تشمل كافة المجالات، الكهرباء، الغاز، والزراعة والإنتاج الحيواني، والصناعات، والطرق والسكك الحديدية، والموانئ، اتفاقية شاملة للتعاون بما في ذلك قضية المياه، طرح هذا أيام وزراة حكومة “عصام شرف” الانتقالية، وأيام حكومة مرسي الإسلاموية، وأيام حكومة عدلي منصور الانتقالية، وفي العام 2015. حيث فضلت مصر إعلان المبادئ الذي وقعته في الخرطوم بدلا عن الشراكة الاستراتيجية للدول الثلاث!

 

ووقتها أطل علينا المُحلِّلون الجهابذة  وخرجوا بالقول: ” إن أي تعاون بديل لمشروع السد، إضاعة وقت في ظل إصرار إثيوبي على إكمال العمل، ثم إصرار على ملء سريع للسد”، وهو موقف يتسق مع الموقف الرسمي حتى اللحظة!

مع حبي وتقديري لك ولشعب مصر الأبي

*صحافي سوداني

 

 

 

منطقة المرفقات

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *