أعمدة صحفية

متاعب..!

عثمان شبونة

 

 

* في زحمة موضوعات اللحظة.. نسينا القائل: (تعب كلها الحياة، فما أعجب إلا من راغب في ازدياد).. حتى إذا استدركنا أنه شاعر أعمى تملكنا اليقين بسطوة القدر على حواسه الداخلية، وهي سطوة يعيشها أصحاب المحن والعاهات والمواهب..!

* ولولا تذكرنا للقدير لما وسعتنا الأحزان حيال بعض الخلق.. ولسنا الأرحم عليهم، حتى لو بلغ التأثر بنا حافة الهلاك..!

* قلت لمحدثي: أتمنى أن أحمل على نفسي مصاعب الهم، بمثلما أحمل عليها عند رؤية كائن ابتلاه الله.. فيشملني حزن دافئ، يعتصر القلب..!

* قال: كائن أم شخص؟!

* قلت: لا تفرق كثيراً، فما زالت ذاكرتي تختزن صورة كلب كسيح يمارس “هوهواته” تحت وطأة العجز، فيصدر منه أنين و”هسيس” مؤثر..!

وما تزال الذكرى في جزيرتنا القديمة تطوي مشهد قطة عمياء.. وحمار أكلت على ظهره الهراوات حتى شبعت واستبانت وحشة الإنسان فيه.. وشاة مقطوعة الأرجل.. وعجوز يقودها ظلام العيون إلى حفرة بين ثنايا العتمة الخريفية..!

* وعلى الصعيد البشري، ما أتعسك حين ترى من هم بلا زاد، والعراة؛ والمساكين والذين “بلا أهل” والنسوة اللائي لا يعرفن الأعياد.. وكل ما تحتمله المدينة ولا تحتمله عين “الشفقة”..!

* على عتبات الصبح الشاتي تدب الكآبة في مخبأ الكرتون.. والرجل المشرد الطاعن في الزمن “يكح” و”يكح” حتى يضيق الفؤاد… ينحسر الغطاء عن رأسه حين يحاول ستر رجليه وأصابعه “ذات الأخاديد” وتزدريه الرطوبة والصهد… ثم المرأة العجفاء في عشوائي وسط المدينة “تغلي قدرها”.. ولا “فاروق” تؤمل في خطاه وعدله.. فالعصر “مكلبش” بقسوة حجرية؛ إلاّ من رحم ربي.. ومع فروقات المسافة والمكان والذات والحياة والموت، لا أدري كيف انهمر تاريخ من “المتاعب” في مخيلتي المشحونة بالقلق حتى الشتات..!

* رغم تمدد حالات الحصار الاجتماعي للملايين، إلا الإنسان الغافل يظل سيد “الطوق والمصيدة” لنفسه؛ نتاج غباء متراكم وغرور دنيوي وأطماع شتى لا يحدها سوى شاهد قبر.. فهل ثمة رغبة في ملذات بعد هذا “المستطيل”؟!

* بذات الفوران الروحي استرجع في زحام الحصار والخاطرات فأقول: “يا له من شقاء أتعب ابن المعرة؛ حين شعر  بضيق الوجود، وكان حنينه أقرب إلى العدم.. ثم.. بعد مئات السنين أقرأ أشعاره على باب شاحنة لبيع الفحم؛ تجوب القرى المحاصرة بطول الأمل والشرود الطائل والفراغ وأبواب التعاسة..!!

* هل كان أبو العلاء المعري يتجول أمس في الأحياء الطرفية لمدينتنا؟ وهل رأى ضحايا الحكومة الوطنية؟ هل قرأ لافتات “الخير والبركة” في مواقيت المحاق؟! هل صلى في الجامع الكبير وخرج نحو “خرابات” الأنفس والمكان في وسط المدينة؟!

خروج:

يبدأ تعب الحياة حيثما عربدت شرور السلطة، حين تفقد بوصلة القدوة مساراتها، وحين تشرئب رؤوس الثراء الفاحش فوق رؤوس البشر..!

أعوذ بالله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *