أعمدة صحفية

معادلات

 

علي يس

لعناية الأخ وزير الشؤون الدينية:

من جرائم “التديُّن الاستعراضي”!!

  • ربما تعلم الجهات المعنية بـ” تزكية المجتمع”، و على رأسها وزارة الشؤون الدينية و الأوقاف، أن الطهر الحقيقي و الاستراتيجي لأي مجتمع ليس هو ذلك الذي يتبدى في أشكال الناس وأزيائهم، ولا حتى في سلوكهم المحكوم بأوامر “سلطانية”، وإنما هو طهر و زكاء “القلوب” الذي ينعكس تلقائياً على مظاهر الناس و مسالكهم ..
  • والأكيد عندي أن هذه الجهاتتعلم أن بعض أعظم ملوثات زكاء المجتمع وطهره؛ إنما تتمثل في ظاهرة “التدين الصوتي – الاستعراضي” الذي انتشر في مدننا وأحيائها، طوال فترة حُكم “العصابة” بانتشار مكبرات الصوت “الرقمية” عالية الكفاءة في مساجدنا ..
  • لستُ من الداعين إلى “تبديع” استخدام تقنيات العصر الحديثة في العبادات خصوصاً، برغم أن من معلومات الدين الضرورية أن أي إضافة – في شأن العبادات – على ما تركه لنا صاحب المحجة البيضاء، صلوات الله و سلامه عليه وعلى آله، هو مما يُسلكُ في سلك البدعة، ولكننا نأخذ باجتهادات من رأوا أن استخدام تقانات العصر مهما استجدت، في أمر العبادة، يجب إخضاعُهُ لميزان دقيق، يوازن بين المصلحة المبتغاة وبين المفسدة المتوقعة ..
  • بناءً على هذا المعيار، أقول إنه – في شأن مكبرات الصوت – ربما صحت فائدتها عند رفع الأذان للصلوات، بتذكير الناس البعيدين عن المساجد بميقات الصلاة، بل ربما صلح أيضاً، مراعاة لانشغال الناس في أعمالهم و ملاهيهم، تذكيرهم مرة أُخرى بإعلان إقامة الصلاة عبر مكبرات الصوت. و لكن ما يلي ذلك كله، من إذاعة الصلاة ذاتها عبر مكبرات الصوت، أومن إذاعة المواعظ و الخطب التي يختلط فيها حابل العلماء بنابل الجهلة، بزعيق يُسمع كل أهل الحي رغم أنوفهم، هو مما لا يلزم، بل هو مما  يندس فيه من المفاسد ظاهرها و خفِيِّها ما الله به عليم ..
  • من المفاسد الظاهرة لاستخدام مكبرات الصوت في المساجد بلا ضابط ولا ضرورة، إرغام أهل الحي – وليس جيران المسجد وحدهم – على سماع ما لم يكلفهم الدين بسماعه، وبرغم إرادتهم، و فيهم الطالب الذي يعنيه استذكار دروسه في بيئةٍ هادئة، و فيهم العامل الذي ينصرف إلى عمله، وفيهم المريض الذي يؤذيه “التلوث الصوتي” الذي شاء رياء بعض المتدينين أن يلحق بالناس في بيوتهم .. هذا (عُدوان) على الناس لا يُقره شرعٌ ولا يتسامح معهُ عِلمٌ .
  • أما المفاسد الخفية، فأكثرها شيوعاً ظاهرة الرياء، سواءً بين بعض من يؤمُّون الناس للصلاة فيتفننون في القراءة، وربما أعجبتهم أصواتهم و”أداؤهم” الصوتي المقنع، الذي يسمعه جميع أهل الحي بفضل التقنية المتقدمة،فداخلهم الرياء من حيث لا يشعرون، أوبين الذين ما إن يفرغ الإمام من الصلاة حتى يأخذون الميكروفون واعظين.
  • قراءة الإمام في الصلاة يحتاج إلى سماعها المأمومون فقط ، و يكفي فيها الميكروفون الداخلي للمسجد، ووعظ الواعظين و خطب الخطباء؛ إنما تعني الذين يلتمسونها في المسجد، ويكفيها أيضاً الميكروفون الداخلي . وما سوى ذلك عُدوانٌ ينبغي على الجهة المسؤولة، وهي هنا وزارة الشؤون الدينية، أن تشرِّع تشريعاً يجرِّمه، لأن الدين يجرِّمُهُ.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق