أعمدة صحفية

معادلات

من أسرار "صناعة المناضلين"!!

علي يس

الحيرة ، بل الدهشة ، تدير رؤوس الكثيرين ، ممن يرون بعض من كانوا رموزاً (للنضال) ضد حكومة البشير و جهاز أمنه ، و هُم يتحوَّلون بعد الثورة ، و بعد أن تسنَّمُوا  مواقع في حكومة الثورة ، أو وصاية عليها ، يتحوَّلُون إلى حملان تدعُو  إلى “مصالحة” القتلة من نظام البشير ، أو تعملُ على تشتيت “كرة” القصاص منهم ، أو تعطيل تقديمهم إلى محاكماتٍ جادَّة !!!.. كثيرون يتساءلون : ما الذي جعل أولئك “المناضلين” دعاةً للهبوط الناعم؟؟!!

الذكاءُ الشيطاني لجهاز أمن البشير مسؤولٌ عن هذه الحيرة ..

كثيراً ما كان رئيس التحرير في إحدى الصحف ، و الذي هُو في الآن ذاته ضابط بجهاز أمن البشير ، يتلقَّى مهاتفة من أحد رؤسائه الكبار ، أو ربما مدير الجهاز ذاته ، فيدور الحوار التالي :

– فلان..

– نعم سعادتك

– هل جاءك “ش” بالخبر العاجل؟؟.

– نعم سعادتك، و قد وضعتُ له عنواناً مثيراً ، و حجزتُ له مكاناً بالصفحة الأولى

– جيد ، أرجو  تحويله إلى فلان و فلان (من كبار الكُتَّاب) ليجعلوه موضوعاً  لمقالاتهم .. قُل لهُم إنه لا خوف عليهم إذا شتمونا و وصفونا بالوحشية  و  أشادُوا بشجاعة و وطنية “أ” و طالبُوا منظمات حقوق الانسان بالضغط علينا لإطلاق سراحه فوراً ..

– حاضر سعادتك…

يغلق الخط ، و ينصرف رئيس التحرير إلى مهمته ، ليطالع الناس على صدر صحيفته في اليوم التالي عنواناً مثيراً يتحدث عن :

(جهاز الأمن يداهم منزل السيد (أ) في الثانية صباحاً  و يذهب به إلى مكان مجهول..)

أو :

(جهاز الأمن يمنع السيد (ب) المعتقل لديه منذ شهرين ، و الذي يعاني من داء السُّكّر و ارتفاع  ضغط الدّم و الفشل الكلوي من مقابلة طبيبه الخاص ..)

أو :

(السيد (م) رئيس حزب (ن) يتعرَّض للاعتقال و التعذيب و الإهانة من أفراد من جهاز الأمن رغم كبر سنه ..)

أو

(عدد من الناشطين يرفعون مذكرة لمفوض حقوق الإنسان حول تدهور صحة المناضل (ك) المعتقل لدى جهاز الأمن والذي يمنع الجهاز وصول الدواء إليه ..ويحمِّلون الجهاز كامل المسؤولية عن حياته )

أو

(الزميل الأستاذ (ف) يتعرَّض للاعتقال بواسطة أفراد من جهاز الأمن بمطار  الخرطوم لدى وصوله البلاد قادماً من مدينة (x) بعد أن شارك في منتدى دولي حول حرية الصحافة…)

إلخ .. إلخ .. من مئات الأخبار الشبيهة ، و التي ينشط عدد من الكتَّاب في هجائها و تسويق (المناضلين) المذكورين و رفع شأنهم ، بينما يكون الذي جرى على أرض الواقع ، تمثيلية متقنة الصنع بين جهاز أمن البشير و بين (المناضل) الذي يتم ادِّخاره “لليوم الأسود” ، بعد تسويقه للجماهير الكارهة لنظام البشير و جهاز أمنه ..

مثلاً ، يتم بالفعل اصطحاب “ف” من المطار، بواسطة بعض أفراد الأمن بحيث يراهم العامة ، و يذهبون به إلى مباني الجهاز ، و يدردشون معه قليلاً ثم يوصلونه إلى منزله مصحوباً بالسلامة ، مع  إيصائه بأن يتحدث عن الإهانات و التعذيب الذي تعرَّض له ..

أو  يستضيفون السيد (أ) في أحد فنادقهم ، و يرسلون رقم هاتفه إلى أحد الصحافيين الذي يسأله عن ظروف اعتقاله ، فيشكو مُرَّ الشكوى (بوصيّة من الجهاز ، طبعاً) من أنهم يمنعونه من مقابلة طبيبه الخاص و أنه يُشرف على الهلاك بسبب أمراضه المزمنة (بينما يجده الناس ، بعد إطلاق سراحه ، بصحّة حصان) ..

و هكذا تجري الأمور مع جميع الآخرين ، و يتلقون مقابل (سعة صدورهم) دعماً مادِّياً سخيَّاً من ميزانية الجهاز المفتوحة ، و يُطلب منهم أن يستمرُّوا في هجاء النظام و جهاز أمنه ، و تحدِّي الدكتاتوريّة ، و الاستهانة بما تعرَّضوا له “لأجل الوطن الغالي”…

خداع الشعوب بصناعة “المناضلين” ليس أمراً جديداً على أيّة حال ، و لكن جهاز أمن البشير أظهر براعة خاصة في تسويق الكثير من المناضلين ، بمجرَّد أخبار كان يتم نشرها دون أدنى خوف ، مع أنَّ الكثير من الصحف و الصحافيين تم (تغطيس حجرهم) لمجرَّد أسئلة بريئة أطلقوها ، عيبها الوحيد أنها لم تأت كتعليمات من الجهاز ..

كان أمراً طبيعياً أن يعمل جهاز أمن البشير على صناعة (معارضين و مناضلين) يحبُّهم الشعب المخدوع ، بينما يحبُّون هم البشير و نظامه ، فهم كانوا يعرفون قبل غيرهم أن يوماً أسود ينتظرهم ..

لقد نجحوا كثيراً في (تبييض) يومهم الأسود .. هذا بفضل “صناعة المناضلين”!!!!!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *