أعمدة صحفية

ما بعد جائحة كرونا

عبد العزيز بركة ساكن

ما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية خرجت كل دول العالم بجراحٍ بليغة، المنتصرون والمنهزمون والمنتهكون أيضاً. كان الجميع يشعر بعقدة الذنب، ولم يتخلص أكثر المشاركين دموية من رائحة دم الضحايا وصدى صرخاتهم الذي لا تفارق مسامعهم مثل أجراس إنذار مجنونة. مشاهد الدمار التي اصابت البنيات التحتية والمعالم التاريخية، والدمار النفسي الذي لم ينج منه أحد، ولكن يتفق الجميع ضمنياً على بداية جديدة. بعد كل حرب بداية جديدة، بداية إنسانية، وظهرت مدارس فنية وأدبية وفلسفية تبشر بعالم جديد بعد الحرب العالمية الأولى بالذات على خلفية عالم مرعب شنيع ما كان يتوقع أكثر الناس تشاؤماً وجوده، بل ما كانوا يتوقعون أن يصبح البشر بهذه الدموية المطلقة. صوّرت المدارس السوريالية والدادئية والعبث العالم بكل جنونه وعدم منطقه وبشاعته، وكانت تلك المدارس ذاتها أشبه بالحيوانات والنباتات التي حدث لها تشوه جيني بعد تعرضها لإشعاع ذرى لأنها ببساطة وليدة الكارثة. لم يتعظ مديرو العالم الحديث. أنتجوا الحرب العالمية الثانية التي كانت أكثر بشاعة ودموية ثم حدث تعاون دولي بعد تلك من أجل صيانة العالم الرأسمالي الذي أوشك على الانهيار. ابتكر الأمريكان مشروع لإعادة البنيات التحتية للكثير من دول العالم مثل مشروع مارشال، ونشطت منظمات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية العابرة للقارات، في إعادة بناء النظام المريض. وفي لحظة تاريخية مهمة، وهي لحظة أن وقف العالم الرأسمالي على سوقه الحديدية مرة أخري، شرع مباشرة في سباق التسلح والحرب الباردة واشعال المعارك العبثية الصغيرة والكبيرة في الدول الفقيرة من أجل بيع الأسلحة، وافتعال الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في شتّى أنحاء العالم. الهدف غير المعلن والمعلن أيضاً هو نهب ثروات تلك البلاد وإبقائها في وضعية التبعية ليسهل استغلال مواردها الطبيعية: بترول، ذهب، ماس يورانيوم وأيدي عاملة رخيصة غير ماهرة. اصدارة جديدة من نسخة قديمة للاستعمار التقليدي. أي عاد العالم الرأسمالي إلى أنانيته المعهودة التي هي جزءً بنيوياً فيه.
مر العالم بكوارث كثيرة في تاريخه الطويل: فايروسات غير معروفة المصدر، إنفلونزا، ملاريا، طاعون، حروب، كساد اقتصادي وتضخم، ومجاعات كاسحة أدت لموت الملايين وتدمير البيئة. فينهض العالم، جريحاً بائساً حزيناً نادماً، ثم يراجع النظام الرأسمالي أدواته وعلاقات الإنتاج، ثم تحدث كارثة أخرى بيئية أو من انتاج أدائه نفسه: جائحة كورونا من انتاج النظام الرأسمالي أيضاً. لا أؤمن بنظرية التفسير التأمري للظواهر، ولكن فلنقل كانت نتيجة لإهمال شبه متعمد. حيث اهتم النظام الرأسمالي بالأنشطة المدرة للدخل طويلة المدى أو قصيرة المدي، مثل الصناعات الثقيلة والمضاربات التجارية السريعة، أما مشروعات الرعاية الصحية فلم تنل سوى القليل من الاهتمام حيث لم يكن خيال المستثمر شاسعاً. لم يفكر في أن فايروسات ما ستلتهم العالم كما التهمته الحروب التي هو مستعد لها بالأسلحة النووية والجرثومية والصواريخ بعيدة المدى، أو كما التهمته الكوارث الاقتصادية في السابق وهي أيضاً سوف لا تكون ذات أثر طالما أصبح أكثر ثقة في الآلة الإنتاجية الرقمية، والمزارع الضخمة التي في كل مستعمراته الحديثة ورأس المال العابر للقوميات: عمالة رخيصة في الدول الفقيرة، أرض رخيصة ومدخلات إنتاج رخيصة وتكنولوجيا معقدة يمتلك أسرارها وحده، وعمال يمكن السيطرة عليهم عبر نقاباتهم ذاتها وصناديق الرعاية الاجتماعية فيما يشبه الاقتصاد المختلط “رأسمالي -اشتراكي”. فلا خوف إذن على المستقبل: التأمين الصحي تلك المؤسسة الرأسمالية الشرهة سوف تغطي الفراغ ما بين الحاجة للصحة الدائمة المتخيلة والحصول المتخيل عليها بل يغطي الخوف من الموت والعجز مكملاً ما تعجز عن تغطيته المؤسسات التي تبحث في الرعاية الصحية ذات الموازنات الشحيحة. تخصص الدول الرأسمالية والشركات مبالغ ضخمة من أجل البحث في مجال التسلح وعلوم الفضاء منتجات المستقبل الرأسمالية، والإعلان، قد يتعدى ما تخصصه دولة واحدة أو شركة موازنة عدة دول أفريقية أو عربية أو آسيوية، ولكن ما هي نسبة ما هو مخصص لمجال صحة البيئة!! وهل فعلاً تهتم شركات الادوية الضخمة بالصحة الوقائية؟ إن أكثر جملة تكرهها شركات الأدوية هي التي تتمثل في الحكمة الشهيرة: الوقاية خير من العلاج.
يخرج العالم كل مرة من كوراثه جريحاً حزيناً نادماً مصمماً على بداية إنسانية جديدة. ولكن في اللحظة التي يقف فيها على سوقه الحديدية يشرع في طرائق الأنانية التي لا يعرف غيرها.
إذن ما بعد كورونا هي كورونا أكثر بشاعة: تسابق نحو تعويض الخسارات الرأسمالية التي كانت نتيجة الكارثة والتحصن ضد حدوث آثارها المدمرة مرة أخرى. نعم ستقوم بعض الحكومات بدعم المؤسسات الصناعية والمالية الضخمة التي في بلدانها أو ذات الرأسمال عابر القوميات، لأن افلاسها يعني انهيار الاقتصاد برمته. وستدعم أيضاً بعض الدول الفقيرة لترميمها كأسواق شاسعة استهلاكية للمنتج بدءً من الأحذية انتهاءً بقاذفات الصواريخ مروراً بالواقي الذكرى وأقمصة النوم. نعم، سيكون هنالك استثمار أكبر في صحة البيئة والبحث العلمي في مجال الصحة الوقائية. ستفقد الصين مكانتها كمحتكر للصناعات الخفيفة ومدخلات الصناعات الصحية لأن العالم الغني قد اتعظ من خطورة احتكار الصين لكل ما هو منقذ لحياة مواطنيه الهشة. سيكون هنالك تعاوناً مصلحياً في مجال إعادة تأهيل النظام الرأسمالي، في شكل مشروعات أشبه بمشروع مارشال. ولكن ستكون بالمقابل هنالك سياسة تأمين صحي أكثر تشدداً واستغلالاً وأغلى سعراً. ستكون هنالك إجراءات سفر أكثر دقة وتعقيداً. ستصبح الدول الفقيرة أكثر فقراً بل في وضعية أقرب للاستعمار، حيث أن جشع الرأسمال وشهيته في تعويض خسائره بأسرع ما يكون يجعله يتجه نحو البلدان الفقيرة التي هي أسهل استغلالاً، وبرشاوي صغيرة لحكامها يمكنه أن يجنى الكثير: موارداً وسوقاً. ما بعد جائحة كورونا، سيكون العالم تماماً كما كان ما بعد الحربين العالميتين. تعاون كبير بعد الأزمة مباشرةً، أدب وفنون متوحشة، ضمائر تستيقظ فجأة، ثم يخبو كل شيء ويعود العالم الى أنانية الرأسمالية المعهودة.
أما من النواحي الاجتماعية، فسيبدو العالم أكثر غرابة. نادراً ما سيتصافح الناس ويحضنون بعضهم. ستتشكل عادات في المقابلات الشخصية جديدة وتصبح العلاقات الإنسانية باردة كما لو أن جميع البشر من الإنجليز. ستكون هنالك مسافة اجتماعية دائمة ما بين البشر نفسية وسياسية واقتصادية أو قد تستمر لسنوات طويلة في المدارس وأمكنة العمل والرفاهية والعبادة. ينمو ويزهر الشك في كل سانحة تلتقي فيها بالغريب. ولا أدرى هل سيكون هنالك حبٌ من النظرة الأولى أو بعد إبراز شهادة خلو من كورونا!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق