أهم الأخبار

وُجِّهت إليه التُّهم رسميّاً

محاكمة كوشيب.. قطار العدالة يتحرك في دارفور

الخرطوم: خالد الفكى

وجهت المحكمة الجنائية الدولية نحو 50 تهمة لعلي محمد علي المعروف بـ“كوشيب” والمتهم بارتكاب جرائم حرب وعمليات إبادة جماعية ضد المدنيبن في دارفور خلال عامي 2003 و2004، وبهذا ينطلق رسمياً قطار العدالة في الإقليم.

وشملت التهم عمليات قتل خارج إطار القانون طالت أكثر من 260 شخصا، واغتصاب عشرات النساء، إضافة إلى أعمال نهب وحرق وترويع لآلاف السكان في غرب دارفور.

وقال الاتهام إن كوشيب ارتكب جرائمه تلك بالاشتراك مع القوات الأمنية والحكومة السودانية، وفقا لخطوات مشتركة أكدتها قرائن عديدة منها اعتقال العشرات في أقسام الشرطة والاعتداء عليهم لفظيا وجسديا.

ووفقا لاحد الشهود فقد تحدث كوشيب أمامه مع القيادي في نظام المخلوع البشير، أحمد هارون، والذي شغل منصب وزير دولة بوزارة الداخلية، الذي أشار إليه بقتل نحو 100 شخص في أحد المعتقلات.

مطالبة بالبشير

“هيومن رايتس ووتش” قالت إن بدء جلسات الاستماع الرئيسية لـ “المحكمة الجنائية الدولية” في قضية علي كوشيب، هو خطوة مهمة نحو العدالة في الجرائم الجسيمة المرتكبة في دارفور بالسودان لكن غياب أربعة مشتبه بهم كبار آخرين، بما فيهم الرئيس السابق عمر البشير، يُبرز ضرورة أن تحيلهم السلطات السودانية إلى المحكمة دون تأخير إضافي.

كان علي كوشيب، الاسم الحركي لعلي محمد علي، قائدا لميليشيا “الجنجويد”، وشغل أيضا مناصب قيادية في “قوات الدفاع الشعبي” الرديفة و”قوات الاحتياطي المركزي” التابعة للشرطة في السودان. في 27 أبريل 2007، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أول مذكرة توقيف بحق كوشيب، شملت 50 تهمة ضده بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب لمسؤوليته عن عمليات اغتصاب، وتدمير ممتلكات وأفعال لاإنسانية وهجمات على المدنيين وقتلهم في أربع قرى في غرب دارفور في 2003 و2004.

إليز كيبلر، المديرة المساعدة للعدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش، قالت: “التقدم في قضية كوشيب مهم لتحقيق العدالة لضحايا الفظائع المرتكبة في جميع أنحاء دارفور وعائلاتهم الذين أرهبتهم ميليشيا الجنجويد. لكن غياب البشير ومتهمي دارفور الثلاثة الآخرين عن المحكمة الجنائية الدولية يمثل أحد أوجه القصور الرئيسية الواجب على السلطات السودانية معالجتها دون إبطاء.

استسلم كوشيب طواعية في جمهورية إفريقيا الوسطى، في 9 يونيو 2020، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أنه محتجز لديها، ثم أعلنت لاحقا عن مذكرة توقيف ثانية صدرت في 2018 أضافت ثلاث تهم متصلة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تتعلق بالقتل والأفعال اللا إنسانية المرتكبة في قرية دليج ومحيطها بدارفور في مارس 2004.

في الجلسات التي بدأت الاثنين، يقيّم قضاة المحكمة الجنائية الدولية ما إذا كانت هناك أدلة كافية لإحالة القضية إلى المحاكمة في عملية تُعرف بإجراءات “إقرار التهم يواجه باقي المشتبه بهم في المحكمة تهما بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية في دارفور، وهم، بالإضافة إلى البشير، وزير الدولة السابق للشؤون الإنسانية والوالي السابق لجنوب كردفان أحمد هارون؛  ووزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين؛ وزعيم “حركة العدل والمساواة” المتمردة في دارفور عبد الله باندا أبكر، الجميع محتجزون في السودان ما عدا باندا.

اعتماد البينات

 حول اعتماد التهم في مواجهة علي كوشيب أمام الدائرة التمهيدية الثانية للمحكمة الجنائية توطئة للإحالة للدائرة الابتدائية، قالت هيئة محامي دارفور، في بيان اطلعت عليها “المواكب”.. إنه قد اعتمدت الدائرة التمهيدية الثانية بالمحكمة الجنائية الدولية برئاسة القاضي سالفاتوري (٣١) تهمة في مواجهة علي كوشيب توطئة للإحالة للدائرة الابتدائية بالمحكمة، الاعتماد لا يعني البت في التهم، ويعني الاعتماد توافر بينات كافية وفقا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية لدى الدائرة التمهيدية بالمحكمة  للإحالة إلى الدائرة الابتدائية والتي تباشر المحاكمة والبت في التهم.

كما قالت الهيئة إن الاعتماد يقوم على ثبوت البينة الكافية للإحالة للدائرة الابتدائية، الاعتماد في حد ذاته يمثل انتصارا لأسر ضحايا والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في دارفور.

الحكومة الانتقالية وعدت بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، في تناقض ملحوظ مع عرقلة الحكومة السابقة لجهود المحكمة، ورحبت الحكومة الانتقالية بمدعية المحكمة في السودان لأول مرة في أكتوبر ووقعت اتفاقية تعاون معها بشأن قضية كوشيب. قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الانتقالية زيادة تعاونها بما يتفق مع القانون الدولي.

يقع على السودان التزام قانوني صريح بنقل المشتبه بهم الأربعة إلى المحكمة الجنائية الدولية. فقرار مجلس الأمن تحت الفصل السابع الذي أحال الوضع في دارفور إلى المحكمة في 2005 يطالب السودان تحديدا بالتعاون مع المحكمة في اعتقال المشتبه بهم وتسليمهم.

تتحمل المحاكم الوطنية المسؤولية الأساسية عن التحقيق في الجرائم ومقاضاة مرتكبيها بما يتماشى مع ما يُعرف بمبدأ التكامل المتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية. لكن حيث تؤدي تحقيقات المحكمة بالفعل إلى أوامر توقيف، ينبغي للسلطات المحلية أن تثبت للمحكمة أنها تحاكم المشتبه بهم عن نفس الجرائم التي تحاكمها المحكمة الجنائية الدولية فيما يعرف باسم الطعن في مقبولية الدعوى (أو الطعن في اختصاص المحكمة).

وفقا للمعلومات المتاحة، لم يجرِ السودان أي إجراءات محلية من هذا القبيل للمشتبه فيهم المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية. في نهاية 2019، بدأ النائب العام السوداني آنذاك تحقيقا في جرائم دارفور، لكن لم يحدث أي تقدم ملحوظ.

وكانت هيومن رايتس ووتش قالت إن محاولة التقاضي في قضايا المحكمة الجنائية الدولية أمام محكمة سودانية سيواجه عقبات كبيرة. جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب لم تكن تشكل جرائم في القانون السوداني إلا بعد أكثر من خمس سنوات منذ بدء القوات الحكومية ارتكاب فظائع واسعة النطاق في دارفور. كما لم يُدرج القانون السوداني بعد عقيدة مسؤولية القيادة، التي تتوقف عليها إدانة القادة في كثير من الأحيان. حصانة المسؤولين، وقوانين التقادم، وانعدام ضمانات المحاكمة العادلة تشكل تحديات إضافية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن إنشاء محكمة خاصة بجرائم دارفور، على النحو المنصوص عليه في اتفاقية جوبا للسلام، مبادرة مهمة، لكن سيستغرق الأمر وقتا وموارد لإطلاقها عملياً.

وتُشير “المواكب”، إلي أن أحمد هارون، أحد المشتبه بهم المتبقين، أعلن في أوائل مايو أنه يفضل محاكمته في المحكمة الجنائية الدولية. ضُمّت قضيته إلى قضية كوشيب، لكن فصلت المحكمة القضيتين لاحقا عندما احتُجز كوشيب وظل هارون هاربا. كان مكتب الادعاء في المحكمة قد وصف هارون وكوشيب بأنهما “عملا معا ومع آخرين بهدف مشترك هو مهاجمة السكان المدنيين في هذه القرى والبلدات الأربع“.

الاشتراك الجنائي

وكان من اللافت للنظر أن معظم الاتهامات الـ 31 التي تليت في المحكمة ركزت بشكل أساسي على “الاشتراك الجنائي”، مما يعني احتمال توجيه المحكمة تهما جديدة لمشتبهين آخرين.

الصادق علي حسن نائب رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور، قال إن الاشتراك الجنائي في الجريمة المرتكبة سواء بإصدار الأوامر أو التنفيذ الفعلي من حيث المسؤولية الجنائية سيان، وأن إفادات كوشيب للمحكمة الجنائية عن اشتراك أحمد هارون وآخرين معه يستوجب ضم هارون وكل من وردت اسمائهم للقضية المنظورة أمام المحكمة والقبض عليه وعلى الآخرين

وقال حسن إن جرائم القتل والاغتصاب التي وردت في قالمة التهم الـ 31 المقدمة من الادعاء تندرج بما ترتقي لمصاف الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية الجسيمة الأخرى والتي تستوجب أقصى العقوبات وفقا للقانون الدولي.

جرائم كوشيب

بعد اندلاع الحرب في دارفور في العام 2003 والتي أدت إلى قتل وتشريد نحو 3 ملايين، وتعرض العديدين للتعذيب والقتل والاغتصاب، لجا نظام المعزول عمر البشير إلى الاستعانة بمليشيات محلية كانت تضم مجموعات متخصصة في النهب المسلح والترويع وهي المجموعات التي شكلت قوام مليشيا علي كوشيب

وكان كوشيب البالغ من العمر 63 عاما أحد أكبر القادة القبليين في منطقة وادي صالح وكان عضواً في قوات الدفاع الشعبي، إضافة إلى تزعمه لمليشيا مكونة من أكثر من 10 آلاف من الذين ارتبطت خلفيتهم بقطع الطرق والنهب وحرق القرى

وأسهم كوشيب منذ 2003 في تنفيذ استراتيجية الحكومة السودانية، ولعب دورا كبيرا في تجنيد المليشيات القبلية خصوصا في منطقة وادي صالح

وتشير الاتهامات التي وجهتها المحكمة الجنائية إلى أن كوشيب قاد بنفسه في بعض الحالات وبالاشتراك مع قوات حكومية سودانية في حالات أخرى، هجمات منظمة ضد المدنيين في بلدات كودوم وبنديسي ومكجر واروالا خلال عامي 2003 و2004 وهي العمليات التي ارتكبت فيها أعمال قتل واغتصاب ونهب راح ضحيتها الآلاف من المدنيين العزل معظمهم من النساء والأطفال

منذ 2007 ظلت المحكمة الجنائية تلاحق كوشيب تحت طائلة الاتهام بالمشاركة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، ضمن قائمة تضم عمر البشير الذي تولى رئاسة السودان خلال الفترة من 1989 وحتى أبريل 2019 عندما أطاحت به ثورة شعبية اندلعت في ديسمبر 2018

وتضم القائمة أيضا وزير الدفاع الأسبق عبدالرحيم محمد حسين وأحمد هارون القيادي في حزب المؤتمر الوطني، الجناح السياسي للإخوان المسلمين، إضافة إلى عدد من أعوان البشير

تشدد الناشطة الدارفورية عزة الرشيد على ضرورة استكمال العدالة، مشيرة إلى أنن مبدا الاشتراك في الجرم يطال العديد من القيادات العسكرية والسياسية الحالية، إضافة إلى عدد كبير من قادة النظام السابق

وتنبه الرشيد إلى أن كوشيب هو واحدا فقط من حلقة شريرة كبيرة تضم قادة حاليين وضباط كبار في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمليشيات الاخرى من الذين ارتكبوا جرائم حرب فظيعة في دارفور

معاناة الضحايا

ومثل الاتهام في هذه القضية مكتب المدعي العام فيما الدفاع عن على كوشيب الأستاذ سيريل لوتشي المحامي ووافقت المحكمة على مشاركة 151 من الضحايا في الجلسة، ويظهر عنهم ممثلوهم القانونيون والمحامون باولينا مسيدا و أمل كلوني وناصر محمد أمين عبد الله، وقدموا مرافعات شفوية أمام القضاة

قاضي المحكمة رئيس الدائرة التمهيدية الثانية القاضي روزاريو سالفاتوري اوضح ان الجلسة هي جلسة خاصة باعتماد التهم واوضح انه وفي هذه المرحلة القضية: (سوف لن نبت في ذنب أو براءة المشتبه به على كوشيب) واضاف قائلا: (غرضنا هنا النظر فيما اذا كانت  هناك اسباب جوهرية  ان كوشيب قد ارتكب التهم التي وجهت له من قبل المدعي العام).  

المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بن سودا وصفت جلسة اقرار التهم التي بدأت الاثنين بانها خطوة مهمة وملموسة في عملية السعي لتحقيق العدالة للضحايا، من خلال إجراءات عادلة وشفافة. واضافت بن سودا في جلسة اعتماد التهم الموجهة لكوشيب أمام الدائرة التمهيدية الثانية للمحكمة الجنائية الدولية امس انهم ومن خلال هذه القضية نسعي اليوم  لتحقيق العدالة لضحايا الاغتصاب والقتل والتعذيب والجرائم الأخرى التي ارتكبت في دارفور.

واكدت للمحكمة ان ادلتنا التي نقدمها ، ستثبت الحقائق والإجرام والمسؤولية النهائية في هذه القضية.واضافت قائلة للمحكمة: (من خلال تقديم الادعاء ، سوف تستمع إلى روايات الشهود الذين حطمت حياتهم بسبب وحشية على كوشيب وقوات ميليشيا الجنجويد التابعة له. وسوف تسمع كيف استخدمت ميليشيا الجنجويد الاغتصاب كسلاح لترويع وإهانة النساء والفتيات) وأكدت أن الآلام التي يعاني منها ضحايا هذه الجرائم مستمرة. ولا تزال منطقة دارفور تصارع الدمار الذي سببته هذه الأحداث. حيث تم تدمير قرى بأكملها.و لا يزال العديد من سكان هذه القرى المستهدفة في معسكرات للنازحين واكدت ان الأدلة في هذه القضية تشير  إلى وجود أسباب جوهرية للاعتقاد بأن على كوشيب قد ارتكب الجرائم المزعومة. وطلبت في هذا الخصوص من الدائرة التمهيدية بالمحكمة تاكيد جميع التهم وتحيل القضية للمحاكمة.

كشفت بن سودا امام المحكمة انها ستزور السودان ودارفور الاسبوع القادم في آخر مهمة لها إلى البلاد كمدعي عام للمحكمة الجنائية الدولية.وقالت للمحكمة انها شاركت في التحقيق في هذه القضية ومقاضاة مرتكبيها منذ بدء الوضع في دارفور في يونيو 2005، كما تقول بن سودا هو اخر ظهور لها أمام المحكمة كمدعي عام للمحكمة الجنائية الدولية واضافت قائلة إنه لشرف عظيم لي أن أكون حاضرة هنا اليوم عندما يمثل أخيرًا أحد المشتبه بهم في قضية دارفور أمام هذه المحكمة ليواجه عدالة مستقلة ونزيهة، واعربت بن سودا عن خالص احترامها  وإعجابها  بشجاعة وصبر وصمود ضحايا دارفور ، الذين قالت بانهم  انتظروا طويلاً حتى يأتي هذا اليوم حيث لم يذهب صبرهم عبثا، واكدت بن سودا ان التطورات في السودان  تعطي الأمل المتجدد في تحقيق العدالة والمساءلة لضحايا دارفور.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *