أعمدة صحفية

خط استواء

مقارنة بين (مايو) و(الإنقاذ)

عبد الله الشيخ

كانت مايو بمثابة تقليد أعمى لانقلاب ثورة يوليو المصرية، حتى أن ثوار مايو استلفوا تنظيم الاتحاد الاشتراكي السوداني، من التجربة الناصرية التي كان تنظيمها يحمل مُسمّى الاتحاد الاشتراكي العربي..

لم يكن غريباً أن تتوالى اختناقات مايو بعد زوال الناصرية ومحاربة الرئيس السادات لمراكز القوى، فقد كانت الأحداث والمواقف تتشابه في ذلك الزمان العفوي، إذ تمكّن نميري من ضرب القوى اليسارية السودانية في مقتل إبّان انقلاب 19 يوليو، وشكل رحيل عبد الناصر ايذاناً بتحرّك مصر، ومعها السودان،  ناحية المعسكر الغربي، وكان واضحاً أن السادات ونميري، يتحركان بتناغم كامل.

يعتبر نظام مايو مثالاً حياً لتأثر الداخل السوداني بالظروف الاقليمية والدولية، خاصة بالظرف المصري.

لم تسقط مايو بصورة فجائية، إنّما كان سقوطها بتراكم أخطاء النظام نفسه.. كان تنظيم مايو يلبس قناع الاشتراكية، بينما مذهبه رأسمالي، ويتبني الديمقراطية ويدين لقبضة رجل واحد..

عند المقارنة بين مايو وانقلاب يونيو، نجد أن مايو كانت لها نكهة رغم أنها بدأت يسارية وانتهت في أسوأ مشهد يتذرعه اليمين..

لسبب ما، خاص بمنشأ التجربة ربما، أبقى أساطين الاتحاد الاشتراكي على ديباجة تنظيمهم، وانتظروا بها حتفه، وهم مثقلون بكل الادعاءات الثورية.. تضجر كثيرون داخل الاتحاد الاشتراكي ،من تلك الخلخلة، التى حدثت للنظام بعد المصالحة الوطنية، وهذا يعني أنّ قادة مايو، كانوا على وعي كامل، بضرورة توفير الغطاء الشرعي لنظامهم بعد جفاف الشرايين اليسارية، وقد كانت الايدلوجيا في ذلك الوقت مطلوبة كضرورة دعائية..

من هنا اتجه النميري إلى استلاب الأخوان برنامجهم الدعائي الشريعة، ذلك أن رحلته، في هذا لن تكون مُرهِقة ، فهو لن يُبدِّل (شملته) وإنّما يظرِّز شعاراتهم العقائدية فوق تلك التي كانت تعبِّر عن تحالف قوى الشعب العاملة..

كل الذي فعله نميري بعد احتضان الأُخوان، هو استبداله الأسلمة محل العبارات الاشتراكية، وقد ساعده على ذلك قابلية فكر الأخوان كونه يجسّد الدكتاتورية (في أبهى صورها)..

لقيت مايو حتفها، والاسباب كثيرة، وإن كان من الممكن أن تأجيل سقوطها، مثلما تأجل سقوط القذافي لو أحسن النميري إدارة خيوط اللعبة واحتفظ بعناصره من التكنوقراط لإدارة الدولة..

لو أنّه استمع إلى نصائح الحرس الاشتراكي القديم، لما وقع فريسة سهلة للاخوان، الذين زيّنوا له استعداء الجميع ليخلو لهم وجهه، ولينجحوا بعد ذلك في تفادي ضربته الأخيرة..

لقد ثبت بالتجربة، أن المسئول عن تدمير المنطقة هم الأخوان، الذين لا يملكون برنامجاً للبناء، بل برنامجاً للانقضاض.. هاهم من أُمنيات النفس بسيادة العالم أجمع، تتقلّص أحلامهم في سجن زعيمهم الترابي، و(ملاوَزة) الآخر من بعبع الجنائية.. هاهم – بعد سنة واحدة من القفز على مقاعد السلطة في مصر – يفضحهم الشعب ويحاصرهم بالكراهية، بسبب رجعية  خطابهم، وقصور وعيهم عن مجاراة حقائق العصر.

كل شئ بأوانه، وكل شيئ إلى زوال.. وما يُحمد لليسار الذى أنتج مايو، أنّه انزوى عن المشهد بهدوء، ولم يجنح قادته إلى هدّ المعبد فوق الجميع، كما فعل الاخوان في السودان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *