أعمدة صحفية

معادلات

علي يس

رئيس اللجنة !!!

        قال مؤمن (رض):

         لكأنِّي بجماعةٍ من الملائكة الكرام ، آلمهُم وأزعجهُم ما يرَونَهُ من بؤس فقراء البشر وسُوءِ حالهم ، فقرَّرُوا ، في ما بينهم ، أن يفعلوا شيئاً لأجل البؤساء ، فاستأذنوا ربَّهُم الحكيم العليم ، أن يهبطوا إلى الأرض لمساعدة بؤسائها على تدبير أُمور معاشهم ، فأذِنَ لهُم وهو يعلمُ أنَّهُم لن يقدروا على تغيير ما جرى به القلم ..

         ثُمَّ ماذا ، يا مولانا؟

         نزل الملائكة الكرام إلى الأرض ، ثُمَّ عقدوا اجتماعاً طارئاً بينهم ، لتحديد سياسة العمل وتوزيع المهام ، فاستقر رأيهم على تكوين “لجنة” لجمع التبرُّعات من أثرياء الناس ، ليتم توزيعها على فقرائهم .. وفي ذلك الإجتماع كوَّنوا “مكتبهم التنفيذي” واختاروا من بينهم رئيساً ، ووضعوا “لائحة عمل” ، ثم خرجوا إلى المساجد ..

         ولماذا المساجد فقط؟؟

         وإلى أين تتوقع من “ملائكة” أن يذهبوا؟؟ .. فذكَّروا المصلين فضل الصدقات ، ودعوهُم بكلام طيِّب ، ملائكي ، إلى التبرُّع بفضُول أموالهم لصالح إخوانهم الفقراء .. فلم يجدوا منهم إلا التكبير والتهليل والدعوات الصالحات لهم بالتوفيق في مهمتهم الملائكية ، فعاد الملائكة آخر الليل ليجتمعوا ، وليس معهم جنيه واحد ..

         يئسوا؟

         لا .. الملائكة لا ييأسون بسهولة .. بل كرَّرُوا المحاولة مرَّةً ثانية ، وثالثة ، وعاشرة ، دون فائدة .. وفي الليلة العاشرة من تاريخ حضورهم إلى الأرض ، اجتمعوا ، مستائين من فشلهم الذريع ، متبادلين عبارات الحيرة ، وطارحين خيار “العودة” إلى السماء .. لولا أنهم فوجئوا بصوتٍ وقورٍ يُحيِّيهم :

         طبتم مساءً يا وجوه الخير..

التفتوا إلى مصدر الصوت ، فإذا بشيخٍ مهيب ، حسن الهندام ، يجلس غيرَ بعيدٍ عنهُم .. قال لهُم ، حين رأى الحيرة على وجوههم :

         إذا أردتُم النجاح في مهمتكم ، فالتمسوا الأغنياء في غير المساجد، فالمساجد يأتيها الفقراء ، مع قلَّة من الأغنياء الذين ليسوا في حاجةٍ إلى تذكيركم ، لأنهم ينفقون فضول أموالهم على الفقراء “بمعرفتهم”..

         وأين نلتمس الأغنياء؟!(قالها الملائكة ، في رجاء).

         في المقاصف ، ودُور اللهو ، وفي قصورهم ، وحدائقهم ، وفي أنديتهم ومصايفهم ..

        شكر الملائكة الشيخ الغريب ، وقرروا العمل بنُصحه ، فانطلقوا إلى حيثُ اشار عليهم ، ولكنهم عادوا آخر الليل ، يجُرُّون أذيال الخيبة ، ويتعجبون من أن الناس لم يكتفوا بمنعهم هذه المرة ، بل شتموهم وسخروا منهم ، وطردوهم ..

        كانوا مجتمعين لدراسة الأمر ، عندما فاجأهم صوت الشيخ الغريب قائلاً:

         ما هكذا يا وجوه الخير تُورد الإبل .. فإن أهل القصف واللهو لا يُدعَونَ إلى فعل الخير ب(قال الله وقال الرسول)!!

         وبماذا يُدعون أيها الشيخ (قالها الملائكة والحيرة تقتلهم)..

         بأساليب لا يُحسنُها “أبرياء” أمثالكم .. إذا أردتُم النجاح فاجعلوني رئيساً للجنتكم ، ونفذوا تعليماتي حرفيَّاً ..

        قال مؤمن “رض : فَرَضِيَ الملائكة الكرام – في سبيل البؤساء – برئاسة الشيخ الغريب ، فدعاهُم فوراً إلى اجتماع “سرِّي” ، ولقَّنَهُم ما يحسُنُ قولُهُ للأثرياءِ المترفين ، حتّى يجودوا بمالهم على الفقراء .. ثم وضع لهم الشيخ “لائحة عمل” جديدة ، ثم أمرهم بالتنفيذ الحرفي لها .. فخرج الملائكة ، ليعودوا آخر اليوم بأموال وفيرة ، والدهشة ترتسم على وجوههم الطيبة ، فأعطوا المال للشيخ الرئيس ..

         ثم ماذا ، يا مولانا؟؟

         ابتهج الملائكة لنجاح مساعيهم ، وصاروا يجمعون أموالاً طائلةً كل يوم ، ثم يوزعونها على آلاف الفقراء فيُغنوهم ..

         نجحوا ، أخيراً ..!!

         لا .. صاروا كلما أغنوا فقيراً ظهر ألف فقير .. واكتشفوا – لدهشتهم – أنهم ، وقد ظلوا يعملون في الأرض ألف سنة ، أن عدد الفقراء يزيد ولا ينقص ..

         وبعدين؟؟!!

         دعوا ربَّهُم أن يُسمح لهم بالعودة إلى السماء ، وأن “يشرح” لهم الأمر .. فأذن لهم بالعودة ، وأوحى إليهم حقيقة الأمر ..

         وما حقيقة الأمر ، يا شيخ؟؟؟

         حقيقة الأمر ، أن الملائكة الكرام ظلُّوا يعملون لألف عام ، تحت إمرة “إبليس” ، الذي تنَكَّر في هيئة شيخ محترم ، دون أن يدروا !!.. وكذلك كثير من “ملائكة”البشر الطيبين ، يعملون بأمر أبالستهم دون أن يدروا .. وإن كثيراً ممَّا نظُنُّهُ “أفعال خير” هو في حقيقته شرٌّ محض ، وإن كان الله ، تعالى، يُثيبُنا عليه تبعاً لنيَّاتنا ، وكذلك ، نرى كثيراً من شرار الناس يُوَفَّقُ في أفعالٍ نظُنُّها خيراً ، بينما يكونُ لصاحبها “أجندة” مختلفة عمّا نظُنُّ .. أمَّا أُمُّ الحقائق ، فهي أن الله ، سبحانهُ ، وقبل أن يأمرنا بفعل الخيرات واتِّقاء الشرور ، كان قد (أعطى كُلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ، ثمّ هدى) ، فلن تُغيِّر أفعالُنا – حسُنتْ أم ساءتْ – قدراً مقدوراً ، ولم يكل الله إلينا ، ولا حتى إلى الأنبياء ، تغيير أمرٍ قضاهُ أو قَدَرٍ قدَّرَه ، وإنَّما أُوكِلَ إلينا ، فقط، “تغيير أنفُسنا” بمجاهدتها على حُبِّ الخير وكراهية الشرور ، وجعل ذلك سبباً في تغيير ما بنا (و تغيير ما بِنا ) ليس في حقيقته سوى تغيير فهمنا ورؤيتنا للأحوال ، وليس بالضرورة تغيير الأحوال في ذاتها ..

* ثم انصرف مؤمن “رض” ، وتركنا في حيرة من مراميه البعيدة بهذه الحكاية .. أما أنا ، فلم أفهم من حكايته هذه سوى شيءٍ واحدٍ صغير : فهمتُ لماذا تفشلُ كثيرٌ من “اللجان” التي قوامُها أُناسٌ طيِّبُون ، أبرياء!! ولماذا يحرصُ أولو الأمر على تطعيم اللجان ، دائماً ، ببعض “الأبالسة” !!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق