أعمدة صحفية

هوامش في المطر والرياح..!

عثمان شبونة

* في كل موسم يحط بساطه على الأرض بالنِّعم؛ فتنبسط الأسارير لهذا القادم الجميل.

ــ فهل تحب المطر؟

* إنه سؤال للتذكير واستدعاء سيرة هذا المحبوب فحسب؛ وليس للإجابة.. فلا شك أن كل نفس سوية تعشق هذا الزائر المُنعش الذي يحي الأرض ويمثل لفجاجها رحمة كبرى مهما جلب من المتاعب للبرية، فخيره العميم يتجاوز الضر إلى مُدرَكَات هذه الرحمة.

* معلوم أن الخبراء قسموا المطر إلى ثلاث أنواع؛ تبدأ بالمطر “التصاعدي” والذي ينتج عن صعود الهواء المحمل بالبخار إلى الفضاء فيبترد ويتكثف ثم يتساقط.. ونجد هذا النوع من الأمطار في المناطق الاستوائية والمدارية.. أما مطر الأعاصير فهو ضربٌ آخر، إذ يجذب الإعصار تيارين هوائيين مختلفين من حيث  المصدر ودرجة الحرارة، فحين يلتقيان يتولد الهواء الدافئ، والذي سرعان ما يعلو ويبرد ويتكثف.. ثم هنالك مطر التضاريس؛ وهو نتاج اعتراض الجبال والمرتفعات للرياح المحملة ببخار الماء، مما يؤدئ إلى صعود البخار وتكثفه أيضاً.. هذه السطور المختصرة بتصرف من الموسوعة، تمنح فكرة عن أصل الظاهرة العظيمة التي نسميها المطر.. فالأنواع الثلاثة من الأمطار المثبتة في الكتب العلمية مشمولة بقول الحق عز وجل: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) وكذلك قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون). وقوله سبحانه وتعالى: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد).. وفي قول الحق هطال من البشارات تحيي الآمال وتحيلها منسابة كالماء بدواخلنا.

* للمطر أسماء وافرة في المعاجِم استخدمها الشعراء القدامى والمحدثين في بعض أشعارهم.. من هذه الأسماء (العارض).. وشاعرنا السوداني الفحل محمد سعيد العباسي في قصيدته الشهيرة عن منطقة (مليط) أتى بذِكرِه:

حيّاكِ ملّيطُ صوبُ العارضِ الغادي

وجاد واديكِ ذا الجنّاتِ من وادِ

فكم جلوتِ لنا من منظرٍ عَجَبٍ

يشجي الخليّ ويروي غِلّة الصادي

* كذلك رددت الآفاق (أنشودة المطر) للشاعر بدر شاكر السياب.. وما لمح الفؤاد مفردة مطرية أو ذات وشيجة بالسحاب إلّا ودغدغت المشاعر بنبض متفائل أو حنين يجيش على ذكرَى مَا.. والمتأمل لأسماء المطر يحصيها بحبٍ وانشراح يماثل لحظة تساقطه بعد يباب.. من هذه الاسماء: (الطل ــ الحيا ــ الغيث ــ الحميم ــ العباب ــ الودق ــ المزن).. يقول ابن نفيل:

وأسلمتُ وجهي لمَن

أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا

وأسلمت وجهي لمن

أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا

* أيضاً حفل القاموس بالعديد من المسميات للسحاب الممطر؛ أشهرها (الديمة) وهي المطر الذي يدوم طويلاً في سكون؛ بلا رعد وبرق.. يقول أبوتمّام:

ديمةٌ سمحة القياد سكوب

مستغيث بها الثرى المكروب

* لقد ارتبط المطر بالرياح، كأنهما زوجان تحت كون واحد.. وبعيداً عن الأثر الصالح؛ فإن الغبار الذي تثيره الرياح يضفي على الخلجات شوقاً للخريف.. فكلما حلّ الأخير ألفينا الوجوه الريفية على وجه الخصوص تمتليء أملاً بالرواء والحصاد.. ومن جانب مختلف فإن الغبار في البلاد الحزينة مدعاة للمزيد من طبقات التعاسة على الروح.. مع ذلك يتكسب بعض فقراء البشر من أثره (كنساً وغسيلاً وتلميعاً)..!

* الذات الأمارة بالسوء أو الحرِجة؛ تجعلنا أحيانا نلعن ذلك الغبار الذي يسبق الأمطار، فالغبار من أسباب نكد البعض.. لكن لو آبت الصدور إلى قول المختار؛ سكنت للعواصف بعواطف مغايرة مع الحديث الشريف.. يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون قولوا: اللهم نسألك خير هذه الريح وخير ما فيها و خير ما أُمِرَت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أُمِرَت به.

* وقد ذكر ابن كثير أن الرياح ثماني، أربع منها رحمة وهي: المرسلات؛ المبشرات؛ الذاريات؛ والناشرات. وأربع عذاب: العقيم والصرصر (في البر) والقاصف والعاصف (في البحر).

* لا شك أن رياح الخريف التي تهب علينا في أيام معدودات من الأربع الرحيمة؛ إذ يستثمرها البسطاء بالمزيد من العمل كما ذكرنا آنفاً… وأيضاً على مستوى السلطة فإن (أمطار الخير والبركة) تفضح الولاة والمسؤولين في الدول الفاشلة (كحالنا فإن لم تفضحهم بسوء التصرُّف كشفتهُم بسوء المصارِف.

أعوذ بالله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق