أعمدة صحفية

متشائم بالإنابة

معادلات

علي يس

  • دعوني أتشاءم، أصالة عن هذه الأمة ، وإنابة عن الشاعر، الصديق، الأخ، عبد القادر الكتيابي، الذي أهدانا ذات يوم منذ بضع سنين مضت ، خمساً أو تزيد –  بعبارات لا أرق منها ولا أفصح – مجموعته الكاملة من الشعر الفصيح، الذي أودعه من فرائد أوجاعه وأوجاعنا ما يكفي لسهر طويل..
  • والكتيابي، الذي يحسن التقاط المواجع، وإعادة رصفها “سيمفونيات” شجية، هو رجل لا يحسن “التشاؤم” فهو منتظر دائماً، في “الغد” ما قد لا يأتي أبداً.. وهو متوقع، في عناد، أن يلفظه “حوت الصبر” الى “ملك ستظهره السنين”.. وهو يظن أن الخروج من محرقة الشعر، كالدخول إليها.. يقول ببساطة:
  • “نويت أن أترك الشعر إلى الأبد”، فيتركه!!
  • وعادة الكتيابي في التنصل الفجائي من جريمة “الشعر” هي عادة قديمة، ظل يمارسها منذ أيام “رقصة الهياج” حين كان شيطان شعره الساخر، يهجس على لسانه:
  • (مالي أقول الشعر في زمن العلامات الكبيرة و الثراء؟) ثم يعود ذات الشيطان، ليكمل دائرة السخرية، معلناً له- في تشفٍّ- حقيقة أن:
  • “الشعر أصبح فيك شيئاً مثل بادرة العطاس!!”
  • ولكنها حقيقة سرعان ما يتجاهلها الكتيابي، تحت محارق الوجع الكوني الذي يعانيه أهل الشفافية، فيعلن تفاؤله بقرب خلاصه من سجن الشاعرية!!
  • ولعله، لو أن مقادير الله كانت قد جعلت الكتيابي شاعراً “أمريكياً” أو “يابانياً” أو –حتى- هندياً، لما أوجعه إلى هذا الحد، أن يكون شاعراً.. ولكن سوء الطالع جعله شاعراً ينتمي إلى أمة مهزومة!! بل أمة بلغت قاع الهزيمة في كل شيء 
  • الكتيابي، الذي أعلن، إعلاناً لا تنقصه الصرامة هذه المرة – في مقدمة مجموعته الكاملة – أن هذا سوف يكون آخر ما كتبه من شعر، ويستغفر الله مما كتب، الكتيابي هذا حاول بعدها مباشرة أن يوظف طاقاته وقدراته، في مشروعات أخرى نافعة للبلاد و العباد [فالرجل مدرك، في ما يبدو، أن هزائم الساسة ما هي إلا ثمرات لهزائم المثقفين]..كان ذلك أيام العهد البائد، ولكن تفاؤله الذي أبدينا له يومها خشيتنا عليه ، لأسباب نعلمها تجعل التشاؤم في هذا البلد من بدهيات البصيرة ، لكن تفاؤلُه ذاك ، ذهب هباءً ، فعاد إلى الاغتراب..(علمت أنَّهُ عاد بعد الثورة و تولَّى “صندوق رعاية المبدعين”، و لا أدري هل ما يزالُ ممسكاً بلجام وظيفته أم هزمه الواقع البئيس)
  • والمشروع الذي كان قد تصدى له الكتيابي يومذاك – وحده  وإن شايعه آخرون بكلمات طيبات- كان في الحقيقة مشروعاً منيراً  ومستنيراً ، بل كان من المشروعات التي تتصدى لأمثالها الدول، عادة ، وليس الأفراد.. ولكن “دولتنا.. تعرفون البير وغطاها”
  • المشروع الإستراتيجي البصير، كان يطمح الكتيابي من خلاله إلى إنشاء موقع إلكتروني، عنوانه ومحتواه:

” المعجم الأطلسي للقرى والحلال في السودان”

  • والحديث في دولتنا عن “ثورة المعلومات” و”مراكز المعلومات”.. و”شبكات المعلومات” ما يزال حتى اليوم مجرد “إنشاء” باعث للسخرية، والكتيابي حاول أن يجعله حديثاً ذا معنى.. و حلم بموقع تلجأ إليه مؤسسات الدولة قبل أي تخطيط تنموي أو عمراني في أية بقعة من بقاع السودان، ويلجأ إليه العلماء والدارسون والباحثون قبل التصدي لأية قضية بحثية أو موضوع علمي يستهدف شأناً سودانياً، وتلجأ إليه الشركات و المؤسسات الخاصة قبل التفكير في أي مشروع تجاري، صناعي ، علمي ، إنتاجي أو خدمي في أي صقع من أصقاع السودان..
  • مشروع يمدُّك بأية معلومة، جغرافية كانت أو تاريخية أو “ديموغرافية” أو “جيوسياسية” أو “جيولوجية” عن أي موضع تضع عليه “مؤشر” البحث، من خارطة السودان..
  • منطق الأشياء، يقول أن هذا ممكن جداً، لأن الدولة التي تنفق المليارات على مشروعات هي – إن لم تكن فاشلة – متواضعة الجدوى ، لم يكن ليعجزها أن توفر للكتيابي، صاحب براءة الفكرة، ما يكفي لجر هذا المشروع إلى دائرة الضوء وأرض الواقع..
  • ومنطق الأشياء ظل يقول أن دولتنا، التي تلهث للحاق بالعصر، كان ينبغي أن تكون ممتنة جداً للكتيابي إذ يتيح لها باباً من أبواب اللحاق بعصر المعلومات..
  • ومنطق الحاجة يقول إن حاجتنا إلى مثل هذا المشروع ، في هذا الوقت، تتجاوز حدود الواجب إلى حدود الفريضة..
  • ولكنني أبلغت الكتيابي يومها تشاؤمي، إنابة عنه..
  • [والمتشائم، بالمناسبة، هو الرجل الوحيد الذي يتمنى دائماً أن يكون على خطأ، ويحتفل إحتفالاً بهيجاً كلما أثبتت له الوقائع أنه كان مخطئاً.. هو الرجل الوحيد الذي يعطيك “جائزة” وقبلتين كلما برهنت له أنه كان جاهلاً وغبياً]..
  • و صدق ، للأسف، تشاؤمي الذي تأسس على ما وقر في النفس، إثر تجارب عديدة، أكدت بالأدلة القاطعة أن سلطان “أعداء النجاح” في دولتنا، أقوى من سلطان أنصاره ومريديه.. و أكدت أن منطق البداهة عندنا محكوم بتميمة الراحل “الفيتوري” :[والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء!!]
  • عاد الكتيابي بعد الثورة، و تولَّى شأناً قد يعود ببعض الوفاء لمبدعي هذا البلد ، و لكن لا أدري هل ما يزالُ مشروعه الاستراتيجي ذاك ماثلاً في ذهنه؟. 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق