أعمدة صحفية

البرهان وحميدتي  أخر مشهد من سودان الإنقاذ

صديق دلاي

         كنا نتوقع هذا الخلاف من زمن بعيد، وكنا نخاف من تداعياته السالبة، وكنا نراهن على الكبار من سياسي بلادنا في تسوية بين قوتين مرهقتين من عهد بائد باع وأشتري في كل مقدرات الوطن وقد باع وأشتري فيها بأسم الإنتهازية والعوار السياسي وعفن الشموليين وسوء التقدير الجماعي، فأنتج لنا هذه المصائب ونحن بعد مائة عام من الإستقلال نتحدث عن الهوية والقومية. 

    بات في حكم المؤكد وبعد حكومتين فاشلتين للغاية أن الثابت الوحيد هي الثورة المجيد، وليس الأشخاص او الكيانات , ونحن حاليا نمر بتجربة قاسية وتضارب واضح وغلاط واسع مستمر , وأعلان عن أزمة كارثية بين الجيش والدعم السريع , بين البرهان وحميدتي، وهما بالفعل أخر مشهد من سودان الإنقاذ , ملآ الدنيا وشغلا الناس طوال العامين السابقين , كانا بالفعل يعملان في تناغم , كنا نستغرب صمت البرهان وتركه لحميدتي يملأ الفراغات ويخاطب السودان القديم من قري الي تنوب الي الدويم وبينهم إمور الإسلاميين بلافتات خادعة وأخري صريحة وفقا للعبة السياسية، وكيف ترجح الموازين. 

     وأظن أن الأزمة بدأت من جوبا , حينما توافقت حركات الكفاح المسلح علي حميدتي مفاوضا وقائدا للسلام الذي تحقق بالفعل محتفلا به في إكتوبر، ثم تغيرت الخارطة كلها وأصيب حميدتي بخيبة أمل حينما أراد الإستثمار في بقايا الإسلاميين وجغرافيا عبد الرحيم حمدي في مثلثه الشهير. وفشل فشلا ذريعا ومؤلما , وكان البرهان يبارك هذه الأمطار لانها ستصب في حقوله وحسابه وعالمه , ولأنه بالفعل يعلم بذلك الفشل ليرهق الرجل وهو نائبه برتبة فريق ومعه قوات مسلحة معروفة القدرات تمثل مخاطر حقيقية لكل من يفهم معايير الجيوش ومزاجها في العمل الوطني، فلا ينفع ضرار ولا مشاركة ولا عناوين متقاربة. 

      طرحت إتفاقية سلام جوبا أسئلة أكبر من المرحلة السياسية الهشة حول الترتيبات الأمنية وما لا يفهمه البعض وهم كثر أن الترتيبات الأمنية تعني السلام الحقيقي وتساوي في محتوياته عودة اللأجئين. 

   هناك صفحة غامضة في ملف السلام لم تناقش إلا عبورا خفيفا، وكانت تلك حكمة وبصيرة وتوفيق، ومع ذلك لابد من الإعتراف بخطورتها،  وأن قرار التغافل عنها و طي تلك الصفحة الي فترة طويلة إنما هو تعبير واضح عن الهروب وعدم مواجهة الحقيقة الصعبة وإيجاد تسوية بين عقيدتين قتاليتين في وطن واحد. 

 الخازوق الحقيقي من إنتاج الإنقاذ بإمتياز بعد كيفية تكوين قوات الدعم السريع  في ظروف خاصة برؤية سياسية معطوبة تقترب من الإنتحار او الجنون , ومع الأيام تطور كل شئ حتي أصبحت بإعتراف الجميع , قوات الدعم السريع مناصرة للثورة ومنعت دماء مؤكدة , ولكنها بقيت في مكانها أزمة مرحلة وخازوق باق مع أزمة الجيش المرهق من ذات الإنقاذ حينما حاولت البناء عليه واحد من روافدها السياسية، وهو عمل جبان ولا يليق باي نظام وطني مهما بلغ من الإنتهازية أن يشتري حكمه باللعب في مساحة الوحدة الوطنية التي كان ومازال يمثل الجيش السوداني واحدا من مقدرات ها وممسكاتها. 

       ما يحصل حاليا من إختلافات بين الدعم والجيش لا علاقة له بهذه الحكومة المسكينة والفاشلة خاصة شقها المدني , فهذه زراعة الإنقاذ للسودان بعد حريق عام في كل جغرافيا وتاريخ السودان 

… إذن ما العمل…

الأمل في الكبار من كل الجهات الحاكمة وغيرها في إيجاد تسوية معقولة بين طرفين عليهما أخطاء كبيرة وجرائم عهد بائد سقط بمسيرات من القري البعيدة والشريفة….

 متفقا عليه أن الجيش بكل أزماته هو المكان المناسب لإجراء أي جراحة، وعلي قيادة الدعم السريع فهم المستقبل بطريقة السياسيين، والتوقف مع الواقع وإنهاء كل الأحلام الكبيرة بالعودة الي الحق وضبط القوات جيدا حتي نفوت الفرص علي الشيطان الأكبر

حتي الأن الأزمة محصورة في التصريحات والمكاتب , وربما أنتشرت روح التشاحن والتضامن وربما كسب البرهان دعما من قدامي الجيش , وثمة روح جديدة بين الجنود والضباط تذكرهم بأمجاد الجيش ومؤكد داخل الوحدات وبين القيادات يجري نقاش وتفاكر وحمية بخصوص تصحيح الأوضاع

 وبالمقابل يجري داخل قوات الدعم السريع تكاتف غير مسبوق بحكم أن أي معركة قادمة ستكون معركة موت او حياة , وبعد إنشغال حميدتي في دروب السياسة سيعود بقوة لقواته المسلحة قائدا عاما ولكن هل كل شي سيجده كما هو قبل كل ذلك البريق والنجومية السياسية

      لابد أن يواجه حميدتي حقيقة صعبة حول عقيدة قواته القتالية , كيف تبدو في هذا الخلاف , الدوافع والحصاد , الغبينة والتجرد والهدف الكبير، وأظنه بعد فحص محتويات فؤاد أي مقاتل من ذلك النوع , يكفي أن نحذر بالرجاء والدموع , من فوات الأوان و من إنفلات غشيم في بلد طيب يستحق كل خير وهو كما كنا نظن مع إندلاع ثورة ديسمبر المجيدة , وطن حدادي مدادي زراعة وثقافة ومسرح وفنون، وليس كما أشيع قبل يومين في قلب العاصمة بدلا عن الليالي المسرحية أصبحت للدوشكا والمدرعات نصيب وافر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق