أعمدة صحفية

معادلات

علي يس

و ما أكثر “الأزيار” في بلادي

  • لعل كثيرين من جيل الشباب اليوم ، لم يطالعوا قصة الكاتب المصري الساخر د. حسين مؤنِس المعنونة (إدارة عموم الزير)
  • وبما أن ما أنا بصدده في هذه الكلمة ، له علاقة وثيقة بإدارات عموم الأزيار في الوطن العربي والإسلامي ، فلا بُد من تلخيص قصة  د.حسين مؤنِس للقاريء ، حتى يقرأ على ضوئها واقع حالنا.
  • يحكي حسين مؤنس عن زيارة قام بها الرئيس لقرية بعيدة ليفتتح فيها بعض المشروعات المهمة ، وفي الطريق إلى القرية أحس الرئيس بالعطش ، فنظر حوله حيث الصحراء تمتد على جانبي الطريق إلى ما لا نهاية ، فرأى شجرة ظليلة قريبة من شارع الأسفلت ، فقال ، كأنه يحلم : (ليته كان تحت تلك الشجرة “زير”!!)
  • كلمة الرئيس سمعها وفد الوزراء المرافق له ، وكان من ضمنهم “وزير الري”..
  • لما رجع الوفد الرئاسي إلى العاصمة ، دعا وزير الري، بصفة عاجلة ، أعضاء لجنة رفيعة المستوى كان قد قام بتكوينها بمجرد عودته ، سماها (اللجنة القومية العليا لمشروع الزير) ، فحدثهم عن خطر وأهمية هذا المشروع العظيم ، وطالبهم – على الفور – بتكوين مجلس إدارة ، وإدارة عامة ، وتقديم دراسة عاجلة تتضمن الميزانية المقترحة للشروع فوراً في إنجاز المشروع..
  • بعد عامين ، مرَّ الرئيس بذات الطريق الصحراوي ، ففوجيء ببناية ضخمة متعددة الطوابق ، ويافطة عظيمة مكتوب عليها (إدارة عموم الزير) ، وعلى جانب من العمارة ، رأى تلك الشجرة التي لفتت اتباهه قبل عامين ، وقد وضع تحتها “زير”صغير!!!
  • إنتهت قصة حُسين مؤنِس ، التي أراد من خلالها السخرية من البيروقراطية ومن تفاهة عقول بعض المسؤولين المتمتعين بثقة الكبار، كما أراد السخرية من أشياء أُخرى كثيرة ليس هنا مجال ذكرها .. أما قصتنا نحن ، فلم تنتهِ ، ولا أظنها ستنتهي “بأخوي واخوك”..
  • رأيت ، في أحد طرقات عاصمتنا ، ذات يوم ، سيارة “بوكس” قديمة (مطرقعة) ، مثبت عليها صندوق حديدي لا يخلو من الصدأ ، عليه “رزَّة” وطبلة ، مكتوب عليه بفخر ( ولاية الخرطوم – محلية “…….” مشروع تطوير وسائل نقل اللحوم ).. فخجلت .. نعم والله خجلت من أن تقع عينا أجنبي ، حتى ولو كان من الجارة “تشاد” على ذلك الشيء الذي نسميه “مشروع تطوير” .. فيتساءل مندهشاً : ( أُمَّال قبل التطوير كان كيف؟)..
  • تصور يا صديقي ، صندوق حديدي محكم الإغلاق ، لا سبيل إلى دخول الهواء إليه أو خروجه منه أو مروره عبره ، مغلق ب”رزَّة ” سيئة الصنع ، و”طبلة”.. مكدس بداخله لحمٌ يتم نقله من المسلخ إلى الجزارين في الأحياء ، لا تبريد ولا تكييف “والدنيا صيف”، ثم يكتبون عليه ، متباهين : (مشروع تطوير وسائل نقل اللحوم) منسوباً بذات التباهي إلى “ولاية الخرطوم”!!!
  • وحتّى أكون دقيقاً في انزعاجي ، أيها القاريء ، فإن ما أزعجني ليس هو الصندوق القميء ، ولا البوكس “المُعوَّق” ، ولا – حتى – حقيقة أن هذا الشيء يستخدم في نقل اللحوم المعدة للإستخدام الآدمي ..كل هذه أشياء مألوفة جداً في هذا البلد ولا تُغضِبُ أحداً .. ما أزعجني وأخجلني ، هو تسمية هذا الشيء 🙁 مشروع تطوير..).. الأمر الذي يأخذ ذهنك فوراً إلى “زوبعة” إدارية متكاملة .. مدير المشروع وأركان حربه  .. وربما مجلس إدارة و ميزانيات وسيارات ومكاتب ونثريات و مخصصات وبدلات .. كل هذا من أجل صندوق حديدي قام بصناعته “مُساعد حَدَّاد” مبتديء ، وثبَّتَهُ على ظهر عربة بوكس قديمة .. في ذِمَّتكُم ” زير” حُسين مؤنِس ما أحسن؟؟ علماً بأن حُسين مؤنِس كان يتخيل فقط ، أمراً لم يحدث على أرض الواقع ، بينما تجري أمثال هذه الطرائف أمام أعيننا ، وعلى أرض واقعنا الصلب !!
  • هل سيبدو غريباً ، بعد هذا ، أن تقرأ إعلاناً رسمياً عن ” المشروع القومي الثالث لتلميع الأحذية ” أو “المشروع الوطني الأول لتطويل العمائم ” .. أو “مشروع توطين صناعة الجوارب”!! .. أنا شخصياً أتذكر الآن عدداً من المشروعات الشبيهة القائمة .. هل تذكر منها شيئاً أيها القاريء؟؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *