تقارير

أزمة إقليم التقراي.. غياب متعمد للحلول أم تكالب مصالح؟

تقرير: عبد القادر جاز

 المتتبع لأزمة إقليم التيغراي بدولة إثيوبيا يلاحظ أنها أصبحت مؤرقه للمجتمع الدولي للوقوف على دوافع ومسببات الأزمة، على خلفية واقع الصراع المحتدم ما بين الأمهرا والتيغراي والأرومو في الآونة الأخيرة، المحللون والسياسيون يخشون على إثيوبيا من الزوال في حال استمرار الصراع السياسي وتكالب القوى السياسية عن السلطة لاجهاض وحدة وتماسك الجبهة الداخلية، السؤال ما الذي ينبغي أن يتم للحيلولة دون أن تدخل إثيوبيا في صراع لا نهاية له؟

أزمة بامتياز

أقر د. الهادي عجب الدور رئيس المعهد الأفريقي الدولي للسلام ببروكسل أن أزمة التغراي هي أزمة إثيوبية بامتياز بحكم أن الصراع في الحكم والإدارة والاصطفاف القبلي والأثني والايديولوجي على حساب مكون الدولة الوطنية، قائلاً إن التغراي قادوا نضالات وثورات انطلاقا من السودان ضد حكم الأمهرا واسسوا لنظام حكم شمولي لاقصاء القوميات الإثيوبية بشكل واضح، مضيفاً ما جعلهم يسيطرون على مفاصل الدولة وفرض سيطرتهم لحكم الدولة بالحديد والنارتارة وتارة أخرى بالبرغماتية والخداع والتنكير حتى تجاه السودان لإقامة مشاريع تهدد الأمن القومي السوداني، كاشفا عن أهم تلك المشروعات هي سد النهضة الذي يعتبر  صناعة تيغراوية أفكارا وجهدا وإدارة بإمتياز، مستطرداً بطبيعة الأحوال السياسية الأثيوبية هى دوماً في حالة رمال متحركة من حيث التدخل في شئون الصومال والسودان ومرة في أرتريا وجنوب السودان، مؤكداً بأنها ظلت قصة السياسة الوطنية الاثيوبية الراشدة معدومة تماماً كمعيار حكيم لتسير شئون الدولة، وتصارع القوميات لقيادة المشهد السياسي والأمني الاستراتيجي والاقتصادي بالبلاد.

الانكفاء والاتكاء

أكد عجب أن التغراي عمليا هزموا ولا خيار لهم سوى الانكفاء والاتكاء على السودان لكي يضخ فيهم الروح بحكم تعدي مليشيات الأمهرى المنافسة للتيغراي والجيش الإثيوبي على الأراضي السودانية، مرجحا أن عقلية آبي أحمد الحربية العدائية المتهورة تساهم في عودة التغراي للمشهد في القرن الأفريقي من واقع الأزمة الإنسانية والجرائم التي إرتكبت، مبيناً أن امكانية محاكمة آبي أحمد وقادة أركانه بمسارات دولية سيناريو منطقي وهى لعبة دولية أخرى شربت منها دول وأنظمة أفريقية كثيرة، مستطردا في ذات الوقت ان طريقة الحلول التي تطرحها من قبل النظام الحاكم في اثيوبيا ستقود إلى انفلاتات غير محسوبة العواقب، وتظل مركز استنزاف مزعج على الدوام، مؤكداً لن يكون هنالك سلام واستقرار في إقليم التغراي ما لم يتم تغير عقلية إدارة الأزمة..

صراع مركب

أكد عجب أن النزاع السوداني الأثيوبي فهو صراع مركب جزء منه صدمة أثيوبية بسبب تغير الموقف السوداني والسياسات وفقدانها لعوائد وربع أراضي سودانية كانت تستغلها وتستنزفها، مبيناً فطن السودان وقرره لفرض سلطانه على أراضيه هذا يؤلم آبي أحمد وطاقمه من صقور الأمهرا، مرجحا أن سد النهضة يظل بؤرة قابلة للانفجار باعتبار مصر والسودان لن تقبلا بوضعية احادية تفرضها اثيوبيا، مبرهنا أن سياسة الأمر الواقع والتسويق سيقود لحرب إقليمية لا محالة وحروب داخلية اثيوبية بالوكالة وقد يتم فرض حظر للطيران القادم والعابر إلى اثيوبيا، معتبراً بهذه الوضعية يتأزم الوضع الداخلي الأثيوبي لانه هش غير محصن سيقود إلى وضع ملغوم بمعنى الكلمة وصورة قاتمة..

فرصة ضئيلة

أوضح عجب أن اثيوبيا أمامها فرصة ضئيلة لإجراء حوار داخلي وإدارة التنوع والعمل بعقلية الدولة لايجاد خارطة طريق لحل الأزمات والانشطارات التي تتعلق بعقلية الأمهرا الجديدة لاعادة طموح ومجد تيسانه، معتبراً أن هذا لن يفيد أثيوبيا كدولة في متغيرات المشهد المحلي والاقليمي والدولي، داعيا أثيوبيا لضرورة إيجاد منهج جديد يساهم في المعالجة مع السودان ومصر لتخلى عن سياسة فرض عقلية الأمر الواقع، وإلا تعتبر كل خطوة دون هذا الاتجاه هى مغامرة وستكون نتائجها عكسية وكارثية على الداخل الأثيوبي.

تفكير مزاجي

قال عجب إن اثيوبيا كدولة راسخة لن تزول ولكن لن تحل مشكلتها المعاصرة بعقلية العنتريات التي نشهدها ولن تستفيد القوميات من الشمولية أو أي سطوة اثنية محددة بقوة السلاح على المكونات الأخرى، ودعا إلى ضرورة المصالحة الوطنية والاعتراف بميثاق الإتحاد الأفريقي والقانون الدولي هما الخيار الملائم حاليا لدى اثيوبيا، منوها أن أي محاولة لتغبيش الأنظار وتشتيت الانتباهات هنا وهناك فلن يفيد ستظل الأزمات حاضرة والمحاور موجودة أكثر تعقيداً، وطالب أثيوبيا على ضرورة الانشغال بنفسها واحترام ميثاق الاتحاد الأفريقي والحدود الموروثة من الاستعمار واحترام الالتزامات والتعهدات والقانون، قائلاً غير ذلك يعنى أنها تفتح على نفسها أبواب جهنم ولن تستطيع حل مشاكلها، ورجح أن التطورات والتشابكات والعنف الأهلي المريع يدعم المؤشرات والتوقعات مالم تكن هنالك قرارات شجاعة من أجل مصلحة أثيوبيا ودول الجوار، مبيناً بهذه الوضعية فلن تكسب اثيوبيا السلام ولن يستطيع أحد في هذا الكوكب أن يغير إرادة ربنا بمجرد تفكير مزاجي يخالف الواقع والوقائع.

تجاهل القضية

أكد د. محمد علي تورشين المحلل السياسي في الشئون الأفريقية أن أزمة إقليم التيغراي أصبحت منسية تماماً من قبل الدول العربية بما فيهم السودان باعتبار أن مسألة ملئي السد في المرحلة الثانية وتوترات الحدود مع الجارة أثيوبيا، مما أدت إلى تجاهل القضية للتضامن مع جبهة تحرير التيغراي بهذا الخصوص، مشيراً إلى أن السودان أبدى إهتماما كبيراً لجوانب البعد الإنساني في استقبال أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين الإثيوبين الفارين من الحرب، معيب ضعف تعامل وتحرك المنظمات الإنسانية في إطار محدود وضيق داخل المعسكرات، معرباً عن أمله أن يكون التعامل بشكل أفضل على هو عليه حالياً، بجانب استصحاب تجربة اللاجئين الارتريين بمعسكر الشقراب للاستفادة منها لمعالجة أزمة اللاجئين ، قائلاً للأسف الشديد تآمرت الحكومة الإثيوبية بشكل كبيرعلى إقليم التقراي بحيث أنهم قومية منتشرة ما بين إثيوبيا وأرتريا وبها أصوات تنادي بالانفصال، وأضاف إذا انتصر التغراي على الحكومة الفيدرالية الاثيوبية سيقود ذلك إلى تحقيق التعاون المشترك مع قومية التيغراي الأرترييين لإقامة الدولة الجديدة، مشيراً إلى أن ذلك سيهدد حكم الرئيس أفورقي الذي أقمع حركات شباب الجهاد الإسلامي وخلافها.

إبادة جماعية

وأوضح تورشين أن المجتمع الدولي متحرك بما فيهم الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا أكدوا من خلال التقارير أن ما جرى بإقليم التيغراي يعتبر إبادة جماعية وتطهير عرقي بكل الاعتبارات، وأعرب عن بالغ أسفه في أن دول الخليج والدول الكبرى لها مصالح مع النظام الإثيوبي والأرتري، مما جعلهم يغضون الطرف تماماً عن الأزمة، مرجحاً أن الآثار المترتبة على الصراع الأثيوبي الأثيوبي  بإقليم التيغراي المضررة منها دول القرن الأفريقي وخاصة السودان، وكشف تورشين أن جذور الصراع الأثيوبي حول السلطة في كيفية إجراء الانتخابات في موعدها المقرر لها، مؤكداً أن الأغرب من ذلك الرئيس آبي أحمد لن يأتي بانتخابات بل عن طريق تحالفات من داخل البرلمان، مضيفاً بقوله تحديد آبي أحمد لاجراء الانتخابات في أغسطس أمراً غير مبرر، باعتبار أن إقليم التيغراي أعلن عن فوز الحزب الحاكم من خلال انتخابات فيها طرف واحد، واعتبرت الحكومة الفيدارلية الاثيوبية أن هذا السلوك بمثابة تمرد، مما قاد الأمر إلى شن العملية العسكرية في نوفمبر 2020م والتي أدت إلى انتهاكات ضد المدنين بإقليم التيغراي.

محنة

أبان تورشين أن الإنقسامات الداخلية في الدول الأفريقية ناتج عن التعددية الأثنية، معتبراً بأنها هي منحه تم تحويلها إلى محنه أصابة الدول الافريقية، واثيوبيا ليست بعيدة عن ذلك، ودعا الحكومة المركزية إلى ضرورة التوصل إلى مصالحة وطنية تقود إلى حوار وطني جامع، موضحاً أن الوضع  السياسي الراهن غير واضح من واقع تأجيل الانتخابات والصراع الداخلي وصمت الشعب الجنوبي واحتجاجات قومية العفر وما شابه ذلك، منوها أن المشهد في اثيوبيا بشكل عام غير محفز تماماً.

نفوذ تاريخي

   أكد تورشين أن مسألة الصراع ما بين الأمهرا والتغراي هو نابع من اعتقاد قومية الأمهرا بأنهم أهل العقد واصحاب النفوذ التاريخي على إمتداد الأنظمة التي تعاقبت على السلطة، موضحاً أن هذه الوضعية اختلفت تماماً عما هو عليه سابقاً، بدليل أن قومية الأرومو الأكثر كثافة سكانية وتواجدها في موقع ذات ثقل إستراتيجي يساهم في احداث تأثير في الخارطة السياسية، بالإضافة إلى أن الشعوب الجنوبية تعاني من الاجضهاد والممارسات التي تسهم في عدم المداومة وغيرها من القوميات الأخرى، معتبراً كل هذه المسائل إذا لم تجرَ مصالحات وطنية شاملة تعالج كل الإخفاقات وتتفق على حد أدنى لمعالجة الاختلالات في السلطة والثروة سيظل مستقبل اثيوبيا مهددا بالانفجار والمطالبة بحق تقرير المصير لخروج عدد منهم من الأقليم.

النظام العالمي الجديد

قال الأستاذ آدم جديد محمد المحلل السياسي والقيادي بحركة جيش تحرير السودان –المجلس الانتقالي بمكتب الشرق الأوسط إن الصراع في القرن الأفريقي له تأثير ولكن تختلف نسبة التأثير باختلاف قوة ارتباط كل منهما بالسياسة الدولية الرامية إلى تشكيل النظام العالمي الجديد، والذي بدأت بوادره تظهر من خلال مفهوم الشرق الأوسط الجديد الذي تجاوز بعض التكتلات الإقليمية القديمة على سبيل المثال كجامعة الدول العربية، مشيراً إلى نقل قيادة الشرق الأوسط إلى القيادة الجديدة والوضع في الحسبان أن الصراع الجديد يتشكل نتيجة لظهور لاعبين. جدد هم اسرائيل واثيوبيا والسودان والسعودية وإبعاد دور مصر بنهاية دور الجامعة العربية، مضيفا لكي لا يذهب المارد الأثيوبي أبعد مما تطلبه السياسة العالمية لابد من المحافظة على أي صراع داخلي، مؤكداً أن الصراع في إقليم التيغراي نشوبه في الوقت المناسب لعدم التقارب السياسي خارج الخارطة السياسية المطلوبة في التكوين الجيوسياسي، قائلاً من هنا تأتي الفشقة كعملية مطلوبة لاستكمال الحراك السياسي والمحافظة عليها وليس حلها حالياً، وأردف بقوله إذا لم يكتمل تشكيل النظام العالمي الجديد، ستظل خيوط اللعبة قائمة بجانب حرب المياه بين مصر والسودان واثيوبيا حتى يتم الوصول الكامل إلى الشرق الأوسط الجديد.

حلول مؤقتة

أكد جديد أن تجنب اثيوبيا من الانهيار أو التقسيم هو مرتبط بسرعة والفاعلية السياسية الحالية في تشكيل المحاور السياسية التي يديرها الشرق الأوسط الجديد، منوها إذا تأخر ذلك يبقي الصراع الإثيوبي الإثيوبي قائم وليس من المتوقع في المدى القصير أو المتوسط  التوصل إلى الحلول، مرجحاً من المتوقع التوصل إلى حلول مؤقتة بعيدة عن الموضوعية في تطبيقها ربما في المدى القصير أو المتوسط.

العلاقات غير قابلة للاستمرار

قال جديد إن إحتمالات الانقسامات واردة إذا لم تستدرك السلطة الإثيوبية أن المفهوم السياسي الذي يجري حالياً هو الهدف النهائي للتوصل إلى شرق أوسط جديد، مستطرداً أن دولة إثيوبيا ليست من الدول العظمى أن تدرك ما يدور بمحطيتها من عدائيات، بجانب الإبقاء على شكل العلاقات السابقة الإثيوبية السودانية والسودانية المصرية غير قابلة للاستمرار في العصر الحالي.

انتهاكات

  أوضح الأستاذ مصطفي السنوسي إبراهيم صحفي المختص بشؤون القرن الأفريقي والساحل ان أزمة إقليم التقراي تمثل تحديا لمصداقية الغرب في توازن المصالح ومصداقيتها في محاسبة انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي حدثت في الإقليم، مبيناً أن هنالك امكانية كبيرة لانتشار الحرب في دول القرن الأفريقي لانتشار النار في الهشيم، مرحجاً أن الحقيقة المعروفة هي الوحدة العضوية لمشكلات القرن الأفريقي.

هشاشة الأوضاع

ووصف مصطفى بأن الجبهة الداخلية في إثيوبيا وهي هشه للغاية، مشيراً إلى أن المسألة تتمثل في القوانين الفدرالية التي وضعت في عهد الرئيس ملس زيناوي وأسست لنظام الولايات القائم على الأثنية ومنحته حق تقرير المصير، وكشف أن من المعضلات المساعدة في تصاعد وتيرة الأزمة الأثيوبية هى الأيديولوجية الاستعلائية لقومية الأمهرا في خطاب الكراهية ضد الأورمو والتغراي بوصفهم بأقل شأن في المجتمع، مؤكداً أن الحرب الأثنية التي تدار في اثيوبيا صنيعة مصرية أرترية، تهدف إلى تجثيت اثيوبيا على ركبتيها وتخضع للمطالب المصرية بتقسيم موارد المياه، معتبراً أن أفورقي فقد حركته النقمة على جبهة تحرير التغراي التي هزمته شر هزيمة في الحرب الأثيوبية الارترية التي وقعت في نهاية القرن الماضي، مستغرباً لما بدر من د. آبي أحمد باستخدام القوات الارترية لضرب مواطنيه، واصفاً إياها بظاهرة غربية تتسم بعدم النضج السياسي وقصر النظرة الفاحصة بمحيطه، لافتاً إلى أن هذه العوامل ساعدت على شهادة المجتمع الدولي على التدخلات والانتهاكات والاغتصابات وتخريب المنشات العامة في اقليم التغراي.

في كف عفريت

أقر مصطفى بأن مستقبل اثيوبيا أصبح في كف عفريت ومصير استقرارها ووحدتها مجهول، مضيفاً بقوله ربما تعول على حدوث معجزة بيد أن الدعم المصري لأكبر الأثنيات في البلاد، مشيراً إلى أن قومية الأرومو معروفة بشراستها تمثل المعضلة الحقيقية استقرار ووحدة اثيوبيا، قائلاً إن الخيار الأوحد لاثيوبيا هو التفاوض والحوار مع التغراي والتوصل لوقف اطلاق النار وتمكين العون الانساني للوصول إلى الإقليم، بجانب إيجاد مصالحة وطنية شاملة مع جميع المكونات الأثنية بما فيها الصوماليين في أوغادين والأقليات الأثنية المظهدة في الجنوب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *