أعمدة صحفية

معادلات

علي يس

في حديقة “النخلي”

في (طير المنافي سيرة طائر الفينيق) يخاتلك الشاعر الشفيف مدني النخلي ، حين تجدُ ، في قراءتك الأولى للمجموعة ، غناءً شجياً طروباً .. تتنفس الصعداء و أنت تلعن أُم السياسة ، التي وجدت أخيراً من يُخرجك من متاهاتها.. و معلومٌ للكثيرين الرباط الإبداعي الشفيف الذي انعقد بين الأستاذ مدني النخلي ، وبين المبدع الراحل مصطفى سيداحمد ، و اللوحات الغنائية الفارهة التي اشترك المبدعان في صياغتها فترددت أصداؤها في فضاءِ الوطن (و فضاءُ الوطن ، يا هذا ، أوسع كثيراً من مساحة الوطن ، فحيثما وُجد سُودانيٌّ صميمٌ في هذه الدنيا ، تجدُ بين أضلاعه مزعةً من فضاء الوطن)..تحمد الله  الذي “أذهب عنك السياسة و عافاك” و أنت “تقدل” بعينيك على صفحات “طير المنافي” .. و تغني مع مدني :

أسألْ علَيْ مُدُن التعب

و قساوة الزمن الصعبْ

تلقاني في نبض الحروف

حِسَّ المعاني الإغترب

…………………….

كُل العناوين و المُدُن

شوق المسافرين و السُّفُن

تلقاني في العُمْرَ البِقيف

ما بين محطاتك و يطول

و بريق نجيمات الأماني

الساطعة في عِز الأُفولْ

و لكن .. عُد و اقرأ (طير المنافي) مرَّةً أُخرى ، لتكتشف أنه لا أسوار و لا حُدود تفصل عند مدني بين الوطن و بين الحبيبة .. و أن مدني يُغني للوطن في كل قصائده ، و يتقلب بين أوجاع الوطن في كل آهات الوجع التي يُودعها قوافيه ، يخاطب الوطن في كل وصاياه .. الوطن الذي يتمثل حيناً في أخلاق إنسانه ، وحيناً في روعة طبيعته ، نيله و وديانه ، و حيناً ثالثاً في وجه طفلٍ أو طفلةٍ  تلهُو في صقعٍ قصيٍّ من أصقاعه بين الأكواخ وبين ضفة النهر .. الوطنُ يختبئُ  بين كل حرفين من حروف النخلي ، و مع هذا ، لا يصرح بذكره مطلقاً ، لأن حضوره في خاطر الشاعر أقوى من كل حروف التصريح :

لو ينحني الصخر الأصم

و يِرْتَدَّا وش الضي غَرِب

لو عدَّى عكس الريح شراع

و اتهدَّا حيلاً  فيك تِعِبْ

إتجرَّع الحنضل واقيف

فوق المسامير بالغصِبْ

لا تنحَني…

عفواً أيها القاريء.. لا سياسة اليوم..

           ماذا تأخذ؟ ماذا تُعطي؟؟

هل تُجيد الإستماع؟ هل تُجيد التأمُّل؟ هل تُجيد اقتناص المعرفة من أي مصدر كان، وبأية حاسَّة كانت؟؟
ليس المُبدِعُ هو من يُعطي دون أن يأخُذ .. المُبدِعُ هو من يعرِف ماذا يأخُذ ، من الطبيعة حولهُ ، من كتاب الكون المدهش ، من الناس ، من المعاني ، ثُم يعرِفُ كيف ينسِجُ إبداعهُ من هذا الذي أخذ ، ليُعطي ما هُو أجمل !!
إيّاك أن تظُن أنّ “الأخذ” مهمّة سهلة .. إيّاك أن تحسب أنّ الإستماع إلى الآخرين هو سلوك “دوني” .. وحذارِ أن تعتقد أن تأمُّل زهرة ، فراشة ، غيمة ، نملة تحبو على الأرض ، أو قطّاً يتمطّى ، شلاّلاً يثور أو نهراً يتمهّل ، نخلة تُصارِعُ الريح  أو جبلاً  يصافح السماءَ ، إياك أن تظُن أنّ تأمُّل شيء من هذه هو محض فعل إعتيادي يقدِرُ على مثلهِ كُلُّ الناس !!
النحلة تعرِف ماذا يتعيّنُ عليها أن تأخُذ من الزهرة .. والزهرة لن تُصدِّق أن رحيقها ذلك الزهيد ، المباح لكل الهوامِّ والدواب تأخُذُهُ النحلة دون الآخرين لتُعيدُهُ شهداً !!
الفرقُ بين المبدع وبين الآخرين ، هو كالفرق بين النحلة وبين بقية الهوام والدواب التي تأخُذ رحيق الزهر !!ولكن النحلة إنْ هِيَ لم تأخذ ، لن تُعطيَ أبداً !!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق