أعمدة صحفية

معادلات

ديناميات التطرف و الغلو (2-2)

علي يس

· على مستوى الموثُّق من مفردات السنّة النبوية الشريفة ، العمليُّ منها على وجه الخصوص ، كان للتوسُّط مقامٌ مشهود في سنته صلى الله عليه وسلم ، برغم أنهُ صاحب الرسالة والأجدر من بين جميع العالمين بأن (يتطرَّف) لها ويتعصَّب .. ولكن سلوكهُ بإزاء “المنافقين” الذين كشف الله لهُ بعضهُم ، كان يتسم بموضوعيَّةٍ معجزة ، ورفقٍ باهر ، بل إنّ نص وثيقة صلح الحديبية التي أملاها – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – على الإمام علي ، يحملُ دلالةً على سعة أُفقه الإنساني وجلاء رؤيته للأمور في أُطرها الموضوعية ، فقد افتتح الإمام علي – كاتب الوثيقة – الرسالة بالبسملة ،كما تقتضي رسالة الإسلام : (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فاعترض نقيب المشركين قائلاً “لا ندري ما الرحمن وما الرحيم” ، بل اكتب “باسمك اللهم”، فأمر ، صلى الله عليه وسلم ، علياً أن يكتبها كما أشاروا ، ما دامت الصيغة تفي بمعنى البسملة .. ثم لما أراد الإمام علي أن يشير إلى النبي – كطرف من أطراف الصلح – بصفته التي أسبغها الله تعالى عليه : “محمد رسول الله” ، اعترض المشركون قائلين : (لو كنا نعلم أنك رسول الله لما حاربناك) ، فأقرَّ ، صلى الله عليه وسلم ، موضوعية اعتراضهم ، وأمر علياً بأن يمحو “محمد رسول الله ” ليكتب بدلاً عنها : “محمد بن عبد الله” !! حتى تكاملت وثيقة الصلح بين الطرفين ، على وجهٍ اعتبرهُ بعض أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم تنازلاً ، حتَّى تساءلَ عُمرُ بنُ الخطَّاب – رضي الله عنهُ – ثائراً ، يخاطب النبيّ عليه السلام (ألست رسول الله حقَّاً ؟ ألسنا على الحقِّ؟ فلمَ نعطيهم الدَّنيَّةَ في ديننا؟؟) ، وكان من ثار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ينظرون إلى المسألة من وجهة نظر (أحاديّة) ، لا تخلو من “تطرُّفٍ” ، وكانوا بحاجةٍ قصوى إلى هذا الدرس ، الذي يجعلهم قادرين على رؤيةٍ أرحب للأمور ، رؤيةٍ تعترف بأنهم ليسوا وحدهُم على هذه الأرض ، وبأن كونهُم على الحق يرتِّبُ عليهم مسؤولية هي ليست بالضرورة (إبادة) أهل الباطل ، بل إفساح مكانٍ لهم على بساط الحق الذي يهنؤون به .. كان موقف النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم تجاه المشركين ، الذي طالما جاهد كي يعلِّمهُ أصحابه والمسلمين ، هُو موقف المُحِبِّ المشفق الحريص على هدايتهم ، وليس المبغض الناقم عليهم أو الحريص على قتلهم ، إذ كانت قوّة المسلمين عند صلح الحديبية تُسمحُ لهم ، إن أراد النبي صلّى الله عليه وسلم الحرب ، أن يقاتلوا قريشاً وينتصروا عليها بإذن الله ، ولعل هذا ما جعل بعض أصحاب الرسول يعتبرون الصلح بصيغته تلك تنازلاً ليسوا مضطرين إليه !! ولكن من بعثه الله رحمةً للعالمين لم يكن لينهج نهج الملوك (الذين إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعِزّة أهلها أذِلّة) فقد كان حرصه على هدايتهم أعظم من حرصه على مدافعتهم ، دع عنك قتلهم !!
· ولقد استوقفني ، في كلمةٍ لأحد الكتاب ، استشهاده بعبارةٍ أُثرت عن الإمام العلامة ابن حزم الأندلسي ، يقول في معناها أنهُ فرح حين علم بأن أحد عتاة المشركين الذين اشتد أذاهم على رسول الله مات على كفرهً ، وأنهُ كان يكرهُ ذلك المشرك كراهيةً بررت فرحه بأن مات كافراً ولم يهده الله إلى الإسلام حتى ينجو !! ، ولقد قال هذا الكاتب في بعض من أعتبرهم عتاة فُسَّاق زماننا هذا ما قاله ابن حزم ، متمنِّياً ألاَّ يهديهم الله إلى الإسلام (مع أنهم مسلمون يشهدون ألا إله إلا الله ) حتى يموتوا على ضلالهم ويجدوا سوء عملهم في انتظارهم ، أدهشني والله وأزعجني أن يقول رجل يفقه الدين هذا ، وهو يعلم ، وابن حزم الأندلسي يعلم ، أن النبي صلَّى الله عليه وسلم كان يعاني حزناً عظيماً كلما مات رجُلٌ من مردة المشركين على شركه ، وكان يتمنّى لو أنَّ الله تعالى جعل في يده هدايتهم إلى الإسلام ، حتى خاطبهُ الله تعالى ، مقدر الأقدار والقاهر فوق عباده : (ليس عليك هُداهُم ولكن الله يهدي من يشاء) ، وفي تفسير هذه الآية من سورة البقرة ، وآية آل عمران الأخرى (ليس لك من الأمر شيءٌ) وفي أسباب نزولهما ، تأكيد عظيم من الله تعالى على حق الآخر ، المشرك ، والفاجر ، والكتابي ، حتّى في نفقة المسلمين ، دون أن يكون في هذه النفقة عليهم أن يُسلموا ، وحقهم في “العدل” حتى في خطاب النبي صلّى الله عليه وسلم ، الذي ، حين كُسرت رُباعيته يوم أُحُد قال عن المشركين : (كيف يُفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيهم؟) فأوحى إليه الله تعالى : (ليس لك من الأمر شيء)..
· لقد كان محمدٌ صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، يعلم تماماً أن طلقاء قريش ، الذين تسامق على كل أذاهم وأحقادهم القديمة وعفا عنهم حين أقدره الله عليهم وأرغم له أُنوفهم ، كان يعلم أن إسلام الكثيرين منهم يجيءُ خوفاً و نفاقاً ، ولكنهُ تركهُم مع ذلك ، وعاملهم كما يعامل أصحابه ، إذ لم يكن لينقطع رجاؤه أن يهدي الله قلوبهم ولو بعد حين ، ولم ييأس من رحمة الله عليهم وهدايته إياهم ذات يوم ، لم ييأس ولم يستبعد أن يهدي الله أحداً ، إلا أولئك الذين أيأسه الله من هداهم ، ممن نزل فيهم قرءانُ يؤكد مصيرهم إلى النار ، أمّا غير أولئك ، فلطالما تسامى ، عليه صلوات الله وسلامه ، على بشريَّته ، فأعتق من حكم عليهم (بالإعدام) ممن اشتد عليه أذاهم وبلغ شأواً عظيماً ، وفي كتب السيرة يجد من شاء قصة عبدالله بن أبي السرح ..
· تُرى ، أيهم كان أشد أذىً للإسلام والمسلمين : هؤلاء الذين يبغضهم أخونا هذا ، أم أولئك الذين قذفوا سيد البشر بالحجارة ، وأغروا به صبيانهم يشيعونهُ كالمجنون ، يسبونهُ ويشتمونهُ ويسخرون منهُ .. لقد أتاهُ جبريل ، في تلك اللحظة ، وهو في قمة وجعه وحزنه ، وهُم في أوج أذاهم ، واستأمرهُ أن يطبق الأخشبين عليهم فيبيدهم ، ولكنهُ ، عليه صلوات الله وسلامه ، كان يرجو ، حتى في أولئك الكفرة الفجرة الجهلة ، خيراً ، فأمر جبريل ألاَّ يفعل .. كان يرجو – إن لم يهدهم الله – أن يُخرج من أصلابهم قوماً يعبدونه !! وأنا لا أستبعد والله أن يُخرج الله من أصلاب من يراهم ذلك الكاتب هذا فساقاً عتاة ، قوماً يعبدونهُ ، ولا أستبعد ، بل أرجو ، قبل ذلك ، أن يهديهُم الله ويفتح بصائرهم..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق