أهم الأخبار

نخبوية حمدوك وشعبوية الثورة

 

مجاهد عمر الخليفة

أما آن الأوان لدولة رئيس الوزراء أن يخرج من الغرف المعلقة لرئاسة الوزراء ليوجه خطابه للأمة السودانية بشكل بسيط ومباشر أمام الحشود الثورية التي تخرج وتهتف خارج أسوار رئاسة الوزراء والنيابة والعامة وفي كل مناسبة، وتعيد ترديد شعارات الثورة المجيدة؟

دولة رئيس الوزراء ما زال رجل اقتصاد (نخبوي) ليس إلا! يجلس على كرسي بلون دماء الشهداء، وجمر لهيب الثورة، كرسي يخلو من الراحة وملذات السلطة! لا يصلح الجلوس عليه لمخاطبة الشعب عبر شاشات التلفاز! بل الخروج الى الشارع ومخاطبة حشود الثورة كشخصية “شعبوية” تأخذ مأخذ الجد تطلعات الثورة والثوار، فالشعبيون رغم عثرات تجاربهم ومسؤوليتهم عن بعض الانتكاسات الديمقراطية حول العالم إلا انهم مبهرون في خلق شخصية قيادية مؤثرة تقدم نفسها على أنها “صوت الشعب” ويزعمون أن: (السياسة شيء سهل يمكن للجميع إدراكها واعتبارها معقدة يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار) وأقرب مثال على ذلك الثورة الفرنسية التي حولت “عامة الشعب” من مجرد متفرجٍ على بزخ الاقطاعيين، والنبلاء إلى عنصرٍ فاعلٍ في المشهد العام، فلو ارتدي دولة رئيس الوزراء تلك العباءة الشعبوية وهو يخاطب عامة الشعب بعبارات بسيطة وسهلة الفهم لربما يكون بذلك قد حقق (ديمقراطية المعرفة) في أكمل معانيها، وساهم في توعية الجماهيرية بتعقيدات الفترة الانتقالية، فالخطابات الشعبوية هي الأنسب خلال الأزمات والكرب كونها عاطفية وتثير الحماسة وتركز على تبسيط الأمور وتتماشى مع المزاج السائد.

لقد كان من المحبط في ظل تعقيدات المشهد السياسي للحكومة الانتقالية ان يقول رئيس الوزراء في نص خطابه الأخير (منهجي أن أترك للسياسات والقرارات أن تتحدث)!! فهي منهجية إن لم تكن خاطئة بالكلية فعلي أقل تقدير غير مناسبة؟

يخبرنا التاريخ ان “يوليوس قيصر ” كان من أبرز الأباطرة الشعبويين في روما القديمة الذين استخدموا قدراتهم الخطابية في تحريك جموع الشعب في أحلك الظروف ليدخل الامبراطورية في أزهى عصورها من استقرار وتنمية، وبذات الفهم كان “الماهاتما غاندي” الزّعيم الرّوحي للهند، مؤسس المقاومة السّلميّة وفلسفة اللاعنف لمناهضة الظلم الاجتماعي والاستعمار، الموظف الحكومي المرموق الذي طاف شبه القارة الهندية ليكون من الشعب وبين الشعب، و”مهاتير محمد” في أول انتخابات عامة في 1982 رفع شعار الثلاثية التي ينادي بها الشعب (النظافة والكفاءة والأمانة) لينجح من بعدها في محاربة الفساد وينهض ببلاده، و”هوغو شافيز” في فنزويلا الذي نجح في توحيد موجة شعبية عاتية كانت ترفض فساد الطبقة السياسية وتتوق الى التغيير، فتحققت إرادة الشعب على يد أبن الشعب البسيط المتواضع، والامثلة كثيرة وكلها تجعلني أقول انه كان وما زال على دولة رئيس الوزراء ان يتخلى عن نخبوية الخطابات والتواصل ويرتقي لمستوي العامة ليخاطبهم في كل مناسبة وكل حدث باللغة التي يعرفونها خصوصاً الفئات المطحونة بسبب الغلاء والكساد وهي الفئة الغالبة التي لا يهمها حديثه عن استلام خزينةً فارغة، وديون مهلكة، وحالة حصار سياسي، وخللٍ هيكلي في الاقتصاد، وكورونا التي تسببت بانخفاض إيرادات الحكومة بنسبة 40%، كل هذا لا يعني المواطن البسيط من قريب أو بعيد وهو الذي بالكاد يستطيع إدراك معني كلمة (اقتصاد) ناهيك عن معرف الخلل فيه وإعادة هيكلته!!

لا عجب ان أهم ما قاله في نص خطابه عن (الأحزمة الخمسة للتنمية) التي تمثل مستقبل نهضة البلاد لم تكن هو “التريند” على وسائل التواصل الاجتماعي، ومقالات الصحفيين والمدونين بل كان “التريند” هو قوله:(وقد تحملت اتهامات بالضعف وعدم القدرة على المواجهة) العبارات تلك كانت بشكل أو بآخر تفسر سبب نظراته القوية تجاه الكاميرا وكأنه يريد أن يقول إن العكس هو الصحيح، رغم حالة الإجهاد التي بدت واضحة في ملامحه.

لا ينكر للرجل جهوده في رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، وانهاء الحظر الاقتصادي، وانعقاد مؤتمر باريس الذي سيؤدي لإعفاء ديون السودان وجذب الاستثمارات، ورؤيته المتفردة للاقتصاد بفضل خبراته الشخصية في مجال الإصلاح الاقتصادي، ولكن الثورة والثوار وعموم الشعب بانتظار قرارات لحسم ما وصفه في نص خطابه بـ (أيدٍ خبيثة تسهم في تعطيل عجلة الإنتاج، ودولاب العمل الحكومي، وسير عمل القطاع الخاص، وكذلك تحرِّض على الانفلات الأمني) نعم، تلك الايدي الخبيثة هي مربط الفرس في أسباب تفاقم الضائقة المعيشية يوماً بعد يوم، ودون حسمها لن يكون بقدور الشعب انتظار رؤية ذاك الذي بشرنا به:(ضوء في آخر النفق).

عِبر التاريخ تخبرنا كيف أن “وينستون شرشيل” من حزب المحافظين خسر منصبه كرئيس للوزراء في لحظة نجاحه الأكبر كمنتصر في الحرب، بعد دخوله لانتخابات 1945 بثقة مفرطة كونه رجل الانتصارات الذي هزم “ادولف هتلر” وصاحب إنجازات لم يسبق لرئيس وزراء بريطاني قبله أن حققها، مع هذا الشعب البريطاني حينها لم يشغله نجاحات الجنرال النخبوي المنتصر الذي حافظ على وحدة الجيش وعلى التحالفات الدولية بقدر ما شغلته سياسيات “حزب العمال” التي كانت هي الأقرب لمزاج الشعب ورغباته وجعلته يفوز بأصوات الناخبين.

دولة رئيس الوزراء لا ينقصه إدراك ما يريده الشعب وجُل ما يحتاجه اليوم هو ان يخرج من قوقعة المكاتب للشارع الذي أتي به وبالتغيير، ليكون من الشعب، وبين أبناء الشعب، ويقرأ المعاناة في وجوه الناس في زحمة الأسواق والمركبات العامة ولا يكتفي بقراءتها كأرقام في صفحات التقارير الاقتصادية، فدائماً ما يكون البون شاسعاً ما بين النظرية والتطبيق وليس من رأي كمن سمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *