أعمدة صحفيةأهم الأخبار

معادلات

علي يس

الحيوان الباحث عن الحقيقة

** قالوا – في محاولة لتمييز الإنسان عن بقية إخوانه من أفراد عالم الحيوان – أنه هو (الحيوان الناطق) ، ثم تبيّن لهم سريعاً ، أن للحيوانات الأُخرى أيضاً لغاتها و طرقها في “النطق” ، بعد أن أكّد علماء الحيوان أخيراً ، ومن داخل مختبراتهم ، ما أكده القرءان الكريم قبل أربعة عشر قرناً : (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم…).

** ثم عادوا يبحثون عن تعريف آخر ، جامع مانع، لهذا الكائن العظيم ، فقالوا إن المحتفى به هو (الحيوان الضاحك).. ثم سرعان ما تبيّن لعلماء الحيوان ، بل ولعلماء النبات أيضاً ، أن كثيراً من الحيوانات “تضحك علينا” دون أن ندري ، وأنه ، حتى النبات ، يعرف تلك الأحاسيس المعقّدة التي كان الإنسان يظن أنه محتكرها الأوحد ..(هل قرأت كتاب جان ماري بيلت «اللغة السرية في الطبيعة، الاتصال لدى الحيوان والنبات»؟؟) فقد طوّر علماء النبات أجهزة و معدّات يمكنها رصد أدق التحولات في “الكهرباء الحيوية”وفي التواصل الكيميائي  لدى النبات ، وفي المجال الكهرومغناطيسي حول النبات ، وفي الحركة الذاتية الطفيفة جدّاً وغير المحسوسة، لدى بعض النباتات ، و كلها تحولات بيّنت الإختبارات المكثفة والدقيقة أنها تعبِّر عن إستجابات “إنفعالية” لدى النبات ، تجاه مؤثرات خارجية لم نكن نلقي إليها بالاً .. هل تصدِّق أنّ شجرة “النيم” الواقفة أمام منزلكم ، تخاف خوفاً حقيقياً حين تراك تخرج إليها حاملاً فأساً [خصوصاً إذا كانت قد مرّت بتجربة مشابهة ، أو رأت إحدى جاراتها تتعرض لهجوم بالفأس ].. وأنت طبعاً تظن أن الأشجار لا تبصر ، لأنك لا ترى لها عيوناً ، مع أنك تردد صباح مساء مع جدتك ” العين ما بتشوف .. بشوف القلب!!” .. بل أراهن أنك تحسب أنه ليس للشجر قلب أو عقل !!

** ثم سموا أنفسهم (الحيوان المفكر) .. ليكتشفوا لاحقاً أن جميع الحيوانات العليا والسفلى ، بما فيها البكتيريا ، تمارس التفكير بنفس طريقة أينشتاين ، و تحل الكثير من المشكلات التي تواجهها ، بالتفكير وحده ، بل و تحيك المؤامرات و تدبِّر المقالب و تطوِّر “تكنولوجيا”خاصة بها للتغلُّب على “العوارض” التي يضعها الإنسان في طريقها !!

** أخيراً ، قال بعضهم أن الإنسان هو ( الحيوان الباحث عن الحقيقة ) .. و مع أنه ثبت لنا أن الحيوانات جميعها تعرف فضيلة البحث ، تبحث عن الطعام و تبحث عن الماء و تبحث عن الظل، و تبحث عن “الإستقرار” ، إلاّ أنه لم يثبت لنا – حتى الآن على الأقل – أن الحيوانات تبحث عن “الحقيقة”!!

فليفرح الإنسان ، إذاً ، بهذا التعريف الجامع المانع ..

** وبرغم أن الإنسان بيدأ البحث عن الحقيقة منذ يوم مولده ، إلاّ أنّه ، في خلال بحثه عن الحقيقة يعثر على أشياء كثيرة جدّاً ، ليس من بينها الحقيقة .. فالطفل البشري  يبدأ البحث عن الحقيقة منذ خروجه من رحم أُمه ، و في طريق بحثه ذاك يصادف ثدي أُمه ، فيلتقمه على الفور ، دون أن يشغله ذلك عن هدفه الأساسي – الحقيقة – فيواصل البحث عنها في حجر أُمه و على كتفي أبيه ، وعلى الأرض وهو يحبو ، وفي السماء .. و كلما كبر تفاقمت لديه غريزة البحث عن الحقيقة ، و أوردته كثيراً من المهالك ، فالطفل الذي يسقط في “بالوعة” الماء ، كان في الواقع يبحث عن الحقيقة هناك ، و”النشّال” الذي تتسلل أصابعه إلى جيبك في رشاقة ، إنما تجوس أصابعه هناك باحثة عن الحقيقة .. و موظف الضرائب الذي يأتيك حاملاً دفاترهُ ، ليس المال هو ما يهمه ولكن “الحقيقة”.. بل إن المهن الأساسية والمهمة لدى بني الإنسان ، هي كلها مهن تبحث عن الحقيقة ، فالطبيب لا يبحث عن “قيمة”الكشف ، في الواقع ، بقدر ما يبحث عن حقيقة المرض ، ولا بأس بعد ذلك إذا صادفه المال – في طريق بحثه عن الحقيقة – مجرد مصادفة ، ثم لم تصادفه حقيقة المرض التي يبحث عنها .. والمحامي يبحث ، ببسالة و نكران ذات ، عن الحقيقة التي تنقذ عنق موكله ، فيهديه بحثه إلى “الأتعاب” دون الحقيقة .. والصحافي، بالطبع، هو ” أمير الباحثين عن الحقيقة ” و هو أكثر الناس إلماماً بحقيقة أن “الحقيقة ” خرجت و لم تعد.. والصحافي آخر من رآها ويستطيع تذكُّر أوصافها بدقّة بالغة ، والإسهام الفاعل في البحث عنها ، ولكنه ، حين يجدها أخيراً ، يتذكر أن الله قد خلقه ليبحث عن الحقيقة ، لا ليجدها ، و أنت لا تستطيع أن تبحث عن شيء هو بين يديك !! لا بد أن نضيِّع الحقيقة ، حتى نستطيع البحث عنها !!

** الحقيقة شيء رائع ، يستحق أن نبذل في سبيله كل هذا الجهد ، ولو أن بقية الحيوانات عرفت قيمة الحقيقة لنازعتنا عليها بالمخالب والأنياب والقرون .. ولكنها – لحسن حظنا – لا تعرف الحقيقة !!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق