أعمدة صحفية

خط استواء

نِسبية الحقِيقة

عبد الله الشيخ

من عيوب المَادِيّة التاريخية أنها تقف عند دراسة الظواهر المحسوسة، ولا تؤمن بالحقائق المركوزة وراء الظواهر، لذا فإن التمسك الصارم بها يتجه بالضرورة إلى حجاب الرؤية بعين واحدة.. المَادِيّة قالب محدود النظر في التُّراث والحياة، وهي كأداة معرفية تطالب مستخدميها بغربلة أغلفتها الكلاسيكية حتـى (تُعادِي جميع الصيغ المُجردة ووصفات المذهبيين، وتُقِر أن التغيير في الأوضاع الاجتماعية يؤدي حتماً إلى ظهور أشكال جديدة للنضال لا يعرفها مناضلو الفترة المعينة).

المَادِيّة تحصر مفهومياتها في الحيز الزمني الممتد بين صرخة الميلاد وزفرة الموت في التقرير بأن المنفعة المَادِيّة هي المحرك لعجلة التاريخ، فهي بهذا لا تقدم تفسيراً للواقع خارج إطار الحس، ولم تختبر عالم الروحنة والميتافيزيقيا لأنها لا تؤمن به.. وإذا سلمنا برأي المَادِيّة في رفض مفاهيم الوجد، والحضرات، والهَواتِف، والعروج إلى السموات وعلاقة الملائكة بالبشر، إلخ. فهذا يعني إلغاء جل التُّراث ودمغه بالخُرافَة والأُسطرة، واعتباره حيلة لتكريس الظلم باسم الدِّين وتابو القُوى الخفية.

ولما كانت الحقيقة المطلقة – كما يقول لينين –  تتكون من حصيلة الحقائق النسبية، فإن المَادِيّة التاريخية ليست قانوناً صارماً تقاس عليه التشكيلات الاجتماعية.. (الماركِسيّة متهمة بأنها محكومة بهواجس التاريخ الظني والمركزية الأوروبية)، بالتالي لا يمكن تمديد التاريخ السُّودَاني على سرير الماركِسيّة، وخلق التوازي بين الواقع والقالب بقطم الأطراف إن طالت، أو(تمطيط) تلك الأطراف كي تحاذيه.

إن كارل ماركس في كل نقاطه العلمية التي أسس عليها اشتراكيته العلمية (قد حجب كونها مرحلية، واتخذها كالمستديمة، وبنى عليها دراسة مستقبل التطوُّر).. لقد تعثرت الماركِسيّة في النمو خلال فترة طويلة نظراً للقطيعة الكبرى التي حدثت بين الإنتاج النظري ومآل المسيرة السِياسية، لقد انقلبت الماركِسيّة من أداة معرفية إلى أداة آيدولوجية، ما جعل الأخذ بمسلّماتها ينطوي على مغالطات، خاصة في الشرق، حيث أن اجتهادات ماركس كانت جزءاً من نظام الاستشراق في المركزية الأوروبية.. هنا يقرر د. إدوارد سعيد  بأن (الأخذ برؤية ماركس الاستعلائية والتسلطية يعد نوعاً من الشرقنة).. للماركسية سيرة سوداء في إيجاد ودعم الديكتاتوريات، فهي آيديولوجيا سلطوية تدمن أجهزتها الأمنية (فِقه الوسْوَسة) ضد اللامنتمي للتنظيم الأوحد.

وللماركسية أشراط غير علمية في قياس مدى النجاح أو السقوط في استخدام المنهج، وذلك بقياس البعد بين النظرية والتطبيق بتوهم الخلل في مستخدم المنهج لِحالة المفارقة بين انتمائه الفكري والاجتماعي، أي أنها تشكك في الإنتاج المعرفي للبرجوازي وتفضل عليه الإنتاج الفكرى للبروليتاري، رغم أن الأول قد تتاح له مناخات أكثر إبداعاً.

وبعد انكسار التجربة الإشتراكية في روسيا وأوروبا الشرقية لا يمكن الأخذ بمباديء الإشتراكية العلمية كمسلمات، لأن المعرفة على الطريقة الماركِسيّة تبدو أقرب إلى فتاوى فقهاء النُّصوص في التُّراث الدِّيني، لأنها تعج بالتوجيهات الجاهزة أكثر مما تحوي معرفة مضبوطة مجرّبة، كما أن النقد للماركسية من أشياعها وخصومها قد غيب تماماً وجهها الكلاسيكي، وأضحى ما أظهره ماركس منها أشبه بكائن خرافي لا وجود له نظرياً وعلمياً، لكن هذا لا يلغي دور الماركِسيّة في حياة القرن العشرين، حالة كونها خطوة تُثري طريق الحياة الطويل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *