أعمدة صحفية

معادلات

علي يس

متى يُصبِحُ السودان “دولة”؟؟؟

كثيراً ، تحدثنا عن ضرورة انضباط خطاب “الدولة” ، سواءً في ذلك الخطاب الموجَّه إلى الداخل ، أو الموجّه إلى خارج حدود الدولة ، حتى تتمكن من استحقاق هذا الاسم. و بما أن “الدولة” كيان اعتباري ، تمثله و تتحدث باسمه “المنظومة الحاكمة” حصراً ، فإن استحقاق هذه المنظومة لموقعها يتوقف على قدرتها على ضبط ، و من ثم توحيد مصدر خطابها ، أو في أسوأ  الخيارات التنسيق بين مصادر خطابها.

و لكن تفاجئنا ، دائماً ، مخاطبات ، بيانات ، و تصريحات صادرة عن بعض أرفع مؤسسات الدولة ، متضاربة ، عليلة في انضباط دلالاتها و في لغتها ، ينافر بعضها بعضاً إلى حدٍّ مخجل ، هي أشبه بمخاطبات  “مشيخات قبليّة متشاحنة” ، و الغريب حقاً أنّه رغم ذلك ما تزال دول العالم تتعامل معنا كـ “دولة” ، لا أدري هل ذلك محض “مجاملة” منها ، أم إنّ لها مآرب أُخرى في ذلك؟!..

آخر نماذج ذلك الخطاب الأحول ، ما دار حول (مقر المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة) ، و الذي ما إن تناولت أمرهُ بعض الصحف ، حتى تصدت أرفع مؤسسات الدولة ، وفي تسرُّع يفتقر إلى الحكمة ، و قبل أن تبحث في الأمر عبر المؤسسات المعنيّة ، بإصدار بيان يكذّب  ما أوردته الصحافة ، فقد قرأت على ذمّة صحيفة “الراكوبة” الإلكترونية و مواقع أخرى بياناً منسوباً إلى مجلس السيادة الانتقالي ، جاء في مطلعه :

(انتشرت في الوسائط الإعلامية مؤخرا أنباء تفيد باستيلاء أحد أعضاء مجلس السيادة الانتقالي، على مقر المجلس القومي للاشخاص ذوي الإعاقة، وللتوضيح اللازم فإن المبنى المذكور مملوك لمجلس السيادة الانتقالي)..

و بغضِّ البصر عن “لغة” البيان الذي زعم أن المبنى (مملوك) لمجلس السيادة ، دون توضيح لحيثيات و تاريخ هذا (الامتلاك) ، بغض البصر عن هذا ، فإن الطامّة تمثلت في ما تكشَّف لاحقاً ، خلال يومٍ واحد ، ومن خلال خطاب عضو مجلس السيادة الانتقالي ، السيد محمد الفكي سليمان ، الذي تم تخصيص المبنى محل الجدل لإقامته ، خطابه الموجّه إلى السيد أمين عام مجلس السيادة الانتقالي ، و الذي يؤكدُ فيه أنّ المبنى المخصص له هو فعلاً  مسجَّل باسم المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة ، حسب إفادة السيد (مسجل عام أراضي السودان) ، و يطالب فيه برد الحق إلى أهله.

لنا أن نلاحظ أن السيد محمد الفكي سليمان هو (عضو) في مجلس السيادة الانتقالي، المجلس الذي أصدر بيان “تكذيب” دعوى من ادّعى أيلولة المبنى إلى ذوي الإعاقة ، أولاً ، و أنّ الرجل نفسه هُو من تم تخصيص المبنى لإقامته ، ثانياً ، و أنه ، بمبادرة منه ، و بعيداً عن المجلس ، استفسر مسجل عام الأراضي عن “شهادة بحث” المبنى، ثالثاً !! فهل يُعقل أن يصدر بيان المجلس دون حتى علم العضو  المعني بشأن المبنى موضوع البيان؟؟ .. و هل يُعقل أنّ المجلس أصدر بيانه الذي يزعم (امتلاك) مجلس السيادة للمبنى حتى دون الرجوع للجهة المعنيّة بتسجيل الأراضي؟؟!! .. و هل يُعقلُ أخيراً أنّ تضارباً فضائحياً كهذا يمكن أن يمُرَّ مرور الكرام؟؟؟؟؟…

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق