أعمدة صحفية

*السودان الوطن المأزوم:دعوة للتصافي والتسامح*

*د.الجيلي محمد عبد الحميد محمد*

(عند خروجي من السجن أدركت أنه إن لم أترك كراهيتي خلفي فإنني سأظل سجينا)

نيلسون مانديلا

زارتني بمسكني صديقتي الفرنسية الجميلة جيسامين في أحد مساءات مدينة بيزانسون الشتوية الباردة من شهر ديسمبر. تقع هذه المدينة في الشمال الشرقي من فرنسا و تتمتع بجمال ساحر وخضرة خلابة وطقس شديد البرودة ولا تخلو من الوجه الحسن .صديقتي الأنيقة جيسامين تمتع بجمال ساحر ووداعة ظاهرة على محياها وشعر أشقر طويل يتدلى على ظهرها وكتفيها والشقراوات هن الجميلات لدى الفرنسيين . طلبت مني إعداد كوب من القهوة ودار بيننا حوارٌ شيق حكت لي فيه عن حياتها و عن تجاربها بتورنتو المدينة الكندية الفاتنة حيث كانت تعمل كمحررة إخبارية بإحدى محطات التلفزة وكانت قادمة لتوها من هناك لتمضية إجازتها بين أسرتها التي تسكن حي فونتان إيكو الشهير ببيزانسون. الجدير بالذكر أن جيسامين كانت تتمتع بعلاقة طيبة مع معظم السودانيين الذين يترددون على هذه المدينة الهادئة بحكم الدراسة، باغتتني صديقتي الأنيقة بسؤالٍ على نحوٍ مفاجئ: ما هو السبب الأساسي للحروب بين السودانيين رغم الود الظاهر الذي لاحظته بينكم وأنتم تأتون من معظم أقاليم السودان؟ في الحقيقة ارتبكت في بادئ الأمر ولكنِّي رددتُ عليها سريعاً بأنه لا مشاكل جوهرية بيننا كمواطنين سودانيين ولكن كل ما ترينه من حروب واختلافات بين أبناء الوطن الواحد هو بسبب النظرة القاصرة لبعض النخب السياسية التي حكمت السودان منذ فجر الاستقلال ومازالت تكرر في أخطائها بصورة مستمرة. في واقع الأمر، حواري مع صديقتي الجميلة هذه ترك فيني أثراً بالغاً وبرهن لي أن الأخر يرانا متوحدين بينما الواقع يكذِّبُ ذلك وجعلني أفكر في ماهية الأسباب الجوهرية التي تمنع أبناء الوطن الواحد من إيجاد الحلول المرضية للنزاعات والحروب المدمرة  هذه بينما نحن نعيش بأُلفة ووئام خارج حدود الوطن العزيز بغض النظر عن لوننا السياسي وإنتمائنا ؟ في تقديري ، عدة أسباب ساهمت في تأجيج هذه النزاعات و الحروب المدمرة مما انعكس سلباً على تطور ونماء الوطن وتبوءِه مكانةً بين الأمم  وهي على النحو التالي : من جهة، النظرة الضيقة والقاصرة و التباغض والتشاحن الذي طبع الحياة السياسية لمعظم سياسي الوطن منذ فجر الاستقلال وحتى اللحظة ،ومن جهة أخرى ،عدم الاستفادة والقراءة بتمعن للتجارب الملهمة لبعض الدول من حولنا التي مرت بأحداث شبيهة لتلك التي حدثت في وطننا الحبيب. في الواقع ،أيها القارئ الكريم،لست ميالاً لتناول المواضيع السياسية ولا أحب ممارسة السياسة وإنما أنا شخص من غمار الناس مهموم بقضايا وطني وشعبي وأتطلع صادقً إلى رؤيته في مصاف الدول المتقدمة في كافة المجالات وبالتالي سطوري التالية تهدف إلى عكس التجارب الناجحة لبعض الشعوب التي تعيش من حولنا وتطبيق وصفة علاج أمراضها المزمنة ورسم خارطة طريق واضحة المعالم بغية الانطلاق نحو مستقبل واعد. لا أود العودة إلى الوراء وللماضي اللعين بيد أنه من الأجدى والأسلم أن ننظر للمستقبل بنظرةٍ إيجابيةٍ ونفوس متسامحةٍ وقراءة التاريخ السياسي لتجارب هذه الشعوب وأن تكون هذه التجارب مصدر إلهام لنا لعلنا نلحق بركب قطار الأمم المتقدمة ونجد الحلول الناجعة لمشاكلنا وتناحرنا هذا وليس ذلك على الله بعزيز .على سبيل المثال، دولة رواندا التي عاشت أسوأ الحروب الأهلية على مر التاريخ بين قبيلتي الهوتو والتوتسي .هذه الحرب العبثية حصدت حوالي مليون شخص وتعجز النعوت و الصفات عن وصف الفظاعات التي اتسمت بها  لدرجة أن يقتل الزوج زوجته والجار جاره والصديق صديقه ،ولكن الآن تعتبر من أقوى الدول الناشئه اقتصادياً  في أفريقيا ونموذج مشرِّف ومبهر يحتذى به في النجاح والتسامح والمصالحة الوطنية وتوصف برمز الحداثة في القارة الأفريقية. أضف إلى ذلك، كل من زار هذه الدولة من الإخوة السودانيين أتى مبهوراً ومسرور البال ومنشرح الصدر ويحكي عن تجربتها بكل إعجاب لأنهم تركوا المآسي التي مضت جانباً وعملوا على بناء الدولة والإنسان .أيضا لابد لي أن أسلط الضوء على تجربة جنوب أفريقيا التي عاشت أيضا أسوأ أنواع التمييز والفصل العنصري وهيمنة الاقلية البيضاء على كل مفاصل الدولة ولكن قادة الدولة الجدد صفحوا عن جلاديهم بدلاً من التشفي والانتقام،وهي الآن أيضا تعتبر من أكبر الدول الاقتصادية في أفريقيا. الدرس المستفاد من كل هذه التجارب أن هؤلاء الشعوب لم يظلوا أسرى لجراحات ومرارات الماضي ولم تقف حجر عثرة أمامهم بل ألقوا كل هذا وراء ظهورهم ونظروا للمستقبل بكل مسؤولية وإيجابية . فكانت المصالحة الوطنية والتعايش السلمي بين كل مكونات المجتمع ، هي الحل الناجع والسحري لخلافاتهم .

 

أيها القارئ الكريم ،نحن الآن نعيش عهداًجديدًا وأتصور أنها فرصة ذهبية يجب استثمارها من أجل بناء دولة تتسم بالعدالة وسيادة حكم القانون وعدم الكراهية للآخر والتنافس الشريف بين أبناء الوطن الواحد. يجب علينا أن ننسى المآسي والماضي الأليم  وأن نحترم التعددية التي نتميز بها من أجل مستقبل واعد لشعبنا، وأن تعلوا مصلحة الوطن على كل مصالحنا الشخصية  وحلحلة كل النزاعات في مناطق النزاع ومعالجة جذور الأزمة وأن نضع الوطن في حدقات العيون.  أيضا في رأيي، يجب الاحتذاء والاحتفاء بالنموذجين الرواندي والجنوب أفريقي والمحاولة حثيثا بغية تطبيقهم لأنني على قناعة تامة  بأن المصالحة الوطنية هي الحل الأمثل لخلافاتنا وإلا سوف ندور في حلقة مفرغة وسنظل في ذيل القائمة ونندب حظنا العاثر وسوف نبكي على وطنٍ لم نحافظ عليه كالرجال. أيضا لابد من  تنظيم مؤتمر دستوري تمثل فيه كل أطياف الشعب السوداني من أجل مناقشة كيفية حكم السودان وليس من يحكم السودان، ويجب أيضآ التبشير بقيمة التسامح لأنه قيمة إنسانية سامية وإشاعة روح السلام والمصالحة وأن نبلي بلاء حسناً في الدفاع عن وحدتنا لأن ما يجمعنا هو أقوى وأكثر من أن يفرقنا وأن نؤمن بأن الوطن يسع الجميع.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق