أعمدة صحفية

إعلان الفشل بخطاب يشبه البيان الأول والتربص يملأ كل الأفق.. 

صديق دلاي:

لو تحولت حكومة حمدوك لكورال غنائي لأخطاء في ترديد كلمات نشيد الوطن , فلكان التيه والحيرة كفيلين بالعجب العجيب , ولأن الجماهير  تعودت الاستماع لهذا الرجل المحترم وهو يمشي إلى منصة رئيس الوزراء وتحت قدميه أشواك طاعنة أصبح يترنح  بين العسكر و الحاضنة كل يوم في شأن من العراقيل والتشاحن “والمكاواة”.

وهذا بالطبع غريب غريب غريب…  كانت محتويات الخطاب مليئة بالإعترافات , لعامين من الفشل الذريع , و ماذا يقصد حمدوك في خطاب مفصلي ب(أزمة وطنية شاملة؟). ثم وضع كل شئ على الحافة بقوله :أزمة سياسية عميقة. وهذا   يفيد: أنهيار الوثيقة وأنسداد الأفق والحاجة إلى نسخة أخري تحتاج لرجال ملهمين أولا ومقدرين من المجتمع السوداني. فهل هذا ممكن ومنظور؟

إن الإجتهاد الذي تم  في هذا الخطاب يقوم به أي خريج علوم سياسية يفهم أزمة بلاده بالعمق المناسب، والكلمات في زمن التمايز والإنفلات والجوع لن تغير من القدر القادم مقدار أنملة او حبة خردل.

وأظن أن الحرية والتغيير فهمت معنى التراخي القديم، وهاهي تشاهد النتائج بمصير صعب عليها وعلي العساكر الذين ظنوا أن حزمة من الأوهام ستتحول الى حقيقة، وأن فشل حكومة حمدوك هو تأشيرة الإقلاع بالبيان الأول، وإنخراط الأمة وراء البرهان والعطا وكباشي. وهؤلاء مع الرفض المبدئي لهم، فإنهم قد أنفردوا بتجليات ضعف الجيش في قياداته الرفيعة، وكان ذلك واضحا في كل مواضعاتهم السياسية في حكومة كانت عدو نفسها تكيل بمكيالين، وتضع القناع والمكياج تنكرا للمبادئ الثورية. وهذا بالطبع ترتيب الإنقاذ البائدة داخل مؤسسة الجيش الذي دوما سيكون عليه  “الرك” والاعتماد ولكن بعد هيكلته، كما تفضل السيد حمدوك. وهذا من المحفوظات السياسية بإبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة.

يأتي خطاب حمدوك حبرا مهدورا على ورق في زمن الغلاء , ولا حياة لمن تنادي. فرئيس الوزراء يكشف عورة الحرية والتغيير التي رضيت به وهو ليس منها , ويعلن بعد ثلاثة شهور أنه كان يستمع لمحمد عثمان وردي منفردا في انتظار البرنامج السياسي من الحاضنة.

نعم ثلاثة شهور , بتوقيت تلك الأحلام الثورية والتغيير , كنا ننتظر منه إعلان تكوين المجلس التشريعي ,  وتوجه الحكومة إلى الريف , الى مشروع الجزيرة والقضارف بالشباب الثوار والقيادات السياسية المبدئية. ولكن وبكل أسف تحولت هذه الأحلام البسيطة الي أيام صعبة وبائسة، وتقاسم المكون العسكري حظه الأكبر من البؤس.

الخطاب لا يقتل ذبابة دعك من تغيير تيار جارف يبدأ من 30 يونيو والكل يمد سبابته لجاره. الحكومة مخنوقة من تلابيبها وتعرف هوية الطرف الثالث، أجنبي بملامح سودانية , يكتب التحذير تلو  التحذير. الجيش في مواجهة الدعم السريع، حمدوك والحاضنة، لجان المقاومة مع أخرين ,  أسر الشهداء مع لجنة أديب , حركات الكفاح المسلح مع السودان القديم، العسكر في مواجهة المدنية المفترى عليها , الثوار في مواجهة الأحزاب ,والمثقفين في مواجهة المجتمع , اما الحريات فمختارة بعناية ضد التقاليد، لترفض وتشوه كما فعل فيلم “ستموت في العشرين”.

الطرف الأجنبي ليس ساحرا، وسيهزم في أول استنفار و إتحاد للثوار بعد فشل حكومتين وحاضنة لم تهنأ بحضنها ساعة من زمن الحكم ,حتي فقدت رصيدها، وهاهي تعلن عدم رضاها عن حمدوك ,وهو عدم رضا له ما بعده. وهي الأخري عليها أحزان حقيقية , فات عليها الحزم والعزم والجدية، وهي عاجزة مشتتة لضبط مهربي البنزين والدقيق، وعاجزة بشكل غريب  ومهزومة من تنظيم موقف مواصلات، وثمرات وسلعتي، وغيرها من  الخدمات البسيطة المستحقة.. فماذا كانت تفعل في إجتماعاتها اليومية وسفرها  كثير ومجلس وزرائها المتحير على مدار الأيام؟

حكومة تعثرت في خطابها السياسي لتبرر الأزمات , وعجزت السيطرة على مائة تاجر عملة يمدون لسانهم ليل نهار، وما أدراك ما الذهب… مهرب بالمطار بمشاركة غير كريمة من كبار، شاهدنا منهم عينة تعمل في ترحال بالسيارات لقطع الكباري بالبطاقات النظامية و المحرمة علي العباد.

حكومة هزمها النيقروز من العاصمة وبالنهار , قتلا وتفزيعا وخوفا عاما بينما المسؤول عن الأمن يتحدث في الشئون الخارجية، وأزمة سوريا، والنقد الفني في أغنيات الحقيبة، متطلعا ليبهر الناس في وضع العراقيل أمام الوزارة المدنية , حتي شاهدنا “مكاواة مرافيد” حمدوك بالصباح يتحولون بالمساء لأبطال بعد  قرار المكون العسكري في مؤسساته المعزولة عن الميزانية العامة وقلم رئيس الوزراء.

تأخر خطاب حمدوك عامين واثناء العامين تحول كل شئ الى وهن وشتات، وأطراف العشم لبناء النظام الديمقراطي عادت في هذه الأيام الي البارود والزناد , والكل يبكي فمن سرق الثورة؟ ومن ضيع الفرص الذهبية؟ ومن باع وأشترى في دماء الشهداء؟ , من فض الإعتصام؟ ومن زعزع أركان الفترة الإنتقالية وصنع من الأمل الكبير بؤسا حقيقيا في نفوس أبناء الوطن؟؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق