أعمدة صحفية

عبق و ألق*

شرحبيل قديم

*أيعشقون  شعرنا الأجعد وبشرتنا السمراء*؟

المتابع لاهتمامات و خطوات و أفعال حكومتنا الانتقالية يجد أنها منذ البداية وحتى الآن تبحث عن حلول لأزماتنا الوطنية المتوارثة والبالغة التعقيد في العواصم العالمية و عند المرافيء القصية وهذا في حد ذاته أمر معيب ويمثل قصر نظر سياسي كبير ، فمن جانب فإنّ هذه المدن التي تيمم شطرها حكومتنا الانتقالية حاملة ازماتنا السياسية و الاقتصادية الوطنية ليست هي محطات مترعة بالإنسانية و دافقة بالمثالية و وترتدي من النوازع الخيرة جلبابا لتسهم في حل مشاكلنا التي عجزنا نحن عن حلها فقط لأنّ هذه المدن تعشق شعرنا الأجعد و تذوب ولها وعشقا في بشرتنا السمراء، لا ثمّ ألف لا فالأمر ليس كذلك بل هو أجندة وإملاءات ومطالب و شروط تصل لدرجة الإهانة والإذلال تملى عليك بغير رحمة ودون النظر لمصالحك الوطنية و قضايا شعبك ، و معلوم بالضرورة أنّ المؤسسات الاقتصادية الدولية و الصناديق السيادية للدول ، أجل معلوم أنّها ليست جمعيات خيرية توزع الهبات و الصدقات ، كما أنها ليست منصات طوعية تقوم بحلحلة فشلنا الإقتصادي فقط لأنها سمعت صيحة يا أبو مروءة التي أطلقناها في عجز و انهزام وتمزق وانكسار وجهل تام بحقيقة مقدراتنا.

أما من جانب آخر فالهرولة المتعجلة جدا والتي تصل أحيانا إلى العدو السريع بحثا عن حلول خارجية لمشاكلنا المختلفة دون أن نرمم بيتنا الداخلي سياسيا و نرتق ما به من فتوق بائنة و دون أن نجمع معظم شعبنا على الحد الأدنى من التوافق الوطني ، و دون أن نعرف كيف ندير تنوعنا، و دون أن نكمل مؤسسات الحكم للفترة الانتقالية وخاصة المؤسسات العدلية و التشريعية ليكتمل شكل الدولة على الأقل حتى يثق فينا الخارج و يتعامل معنا كدولة محترمة مكتملة البنيان و قوية الأركان، يضاف إلى ذلك أنّه لا يستقيم عقلا و لا يتزن فهما سليما للمناورة السياسية أن نذهب لإيجاد حلول دولية لأزمتنا الاقتصادية الطاحنة ونحن لم نقيم و لم نحص ما عندنا من ثروات طبيعية متعددة  بالأرقام والدراسات حتى نتحاور  مع الآخر و نحن في حالة ارتداء لثوب الفقر و اعتمار لعمامة المهانة بل نتحاور معه بعزة و كبرياء ومن مبدأ تبادل المصالح و في ذات الوقت يعرف الآخر أننا نملك من الموارد الاقتصادية المتنوعة ما يجعلنا دولة تستند على جميع مقومات النهوض والانطلاق نحو المستقبل و الاسهام الفاعل إقليميا و عالميا وقبل ذلك تسخير هذه الموارد لأجل توفير جميع ضروريات حياة المواطن السوداني الذي هو جوهر القضية.

حقا العالم أصبح عبارة عن منظومة متشابكة المصالح  و بالقطع لن نكون جزيرة معزولة عن مجريات العالم و لكن في ذات الوقت لن نجد حلولا مجانية لأزماتنا وسط هذا التدافع العالمي بالغ السوء وشديد النهم وواسع الجشع  بين أقوياء العالم و ضعفائه و هو تدافع لا يقوم على مباديء أخلاقية سامية تحفظ حقوق الجميع بشكل متوازن فلنكن على علم بذلك و حذر منه.

ما قامت به حكومتنا الانتقالية و ما تقوم به حتى الآن يزيد في استباحة هذا الوطن المستباح أصلا حدودا و مؤسسات ، و تخدع الحكومة الانتقالية نفسها و لا تكون صادقة مع شعبها إن سلمت سيادة هذا الوطن لدول طامعة أو مؤسسات اقتصادية ذات أنياب حادة و مخالب عنيفة معتقدة أن هذا هو الطريق.

و يخطيء كثير من الذين يخوضون في الشأن العام بتايديهم لما تقوم به الحكومة الانتقالية لا لشيء سوى كراهية لنظام الإنقاذ و ذلك دون التبصر في مآلآت الأمور.

حلول مشاكل هذا الوطن الشامخ توجد في داخله وذلك بقبول جميع مكوناته ببعضها و التعاهد على العمل معا لأجل رفعة هذا الوطن و إعادة هيبته التي فقدت و فوق ذلك تفجير طاقات الشعب في جميع المجالات و العمل على التوظيف الصحيح لجميع  مواردنا ، فلسنا فقراء لنتسول الآخرين و لنا كرامة تمنعنا من طرق أبوابهم بصغار و طأطأة روؤس و لسنا ممن يجهل كيف تدار السياسة الدولية الأمر الذي يحتم علينا أن ندلف دهاليزها  بوعي.

فالمطلوب هو تقديم الوطن ومصلحته وجعل ذلك فوق الآيدلوجيا و الحزب و الفكرة و الذات الفانية، ومن الضروري إيقاف هذا السباق البغيض للاستقواء بالأجنبي ضد بعضنا البعض ، والمطلوب الإجماع الوطني بما هو ممكن حتى لا نؤتى من قبل بعضنا بعضا ، كما أنّه من الأهمية بمكان توفر خطاب وطني يجمع و يوحد ويشحذ الهمم و يدعو للانتاج و العمل  وينبذ الكراهية و العنصرية، و من المهم جدا الاسراع بوضع لبنات دولة القانون والمؤسسات المستدامة و العمل على قيام الانتخابات العامة في أقصر فترة زمنية ممكنة بعد الترتيبات  المتقنة لإنجاحها ، فلا ينبغي أن تتمدد الفترة الانتقالية إلى ما لا نهاية، و إن لم نرتفع لمستوى قضايانا الوطنية حتما سنترك هذا الوطن نهبا للمتربص الدولي و الطامع الإقليمي ، أو سنكون دولة فاشلة يعشش فيها الفساد و يمزق أوصالها الاحتراب الداخلي وربما البدء في رحلة التلاشي الوطني و غياب بلد اسمه السودان و قيام دويلات صغيرة متحاربة متشاكسة وهذه سينايوهات محتملة في ظل غياب عقلاء يعملون على كبح جماح المسار الخطأ.

لم يزل الأمر بيدنا فدعونا نعمل لأجل هذا الوطن بتفان و إخلاص قبل أن نسترجع في ندم وفي حالة من اللآوعي ونحن نضرب كفا  بكف ذاك المثل العربي القديم  (بيدي لا بيد عمرو).

هذا ولكم فيض مودتي .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق