أعمدة صحفيةأهم الأخبار

خط استواء

براءة (الإسلام السوداني) من نَزق العسكر!

عبد الله الشيخ

 

فطن  المهاجرون العرب إلى أن ما يريدونه من عملية غزو السودان، يمكن أن يتحقق دون أن يفقأ النوبة المزيد من عيون الجند.. إنهم يريدون الخيرات المَادِيّة، لكن أهل النوبة (نكايتهم شديدة وسلبهم قليل)، فلماذا القتال؟

هكذا قنع العرب مع النوبة بالجزية في بنود الصلح الذي أطال شيخوخة مملكة المغرة، في حين جَدَّ  المهاجرون جنوباً في الإجهاز على مملكة علوة طمعاً في خيراتها المَادِيّة، فكانت اتفاقية البقط (أداة سلمية) لانتشار الإسلام.

لم يكن هدف الغزو العربي نشر الإسلام بدليل أن الحملة الأولى على شمال السُّودَان عام 641م، بقيادة عقبة بن نافع قد توقفت عند تأمين حدود مصر الجنوبية. أما الحملة الثانية فقد وصلت إلى دنقلا وقاتلت النوبة، ثم هادنتهم بعد حرب سجال، وتعتبر اتفاقية البقط شاهداً تاريخياً على حالة الغلبة العربية، فقد كانوا الأقوى، لهذا (أملى العرب شروطهم على ملك النوبة قليدروت).. هل كان صعباً على العرب اجتياح مملكة مقطوعة الرأس بعد طمر نبعها الرُّوحِي في مصر؟

ما الذي جعلهم يهادنون أهل أرض تلفها الصحراء وتحاصرها جحافلهم المتسللة دوماً عبر الحدود ؟

صحيح أن العرب أملوا شروطهم في بنود الصلح، لكنهم لم يقسروا النوبة على الإسلام في مقابل رضاهُم – وهم نصارى – برعاية المسجد داخل ديارهم، ومنذئذٍ  ظل هدى الدين يتدفق على قاعدة التسامح، رغم أن رواد الهجرة الأولى كانوا أجلافا تنقصهم الثقافة الدِّينية العميقة.

إن المغلوب – النوبة – مولعٌ أبداً (بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده)،  والمنتصر – العرب –  لم يفرضوا على النوبة ثقافتهم تماماً، بل تأثروا بهم خاصة في اقتراض ألفاظ وأسماء النبات والحيوان التي ليس لغير ساكني النيل عهد بها.. كما أن النوبة تمثلوا السمات العامة للدين دون الدخول في التفاصيل المرهقة، حتـى تصدى المستعربون منهم  لمهمة التبشير به انطلاقاً من الانتماء للتَصوُّف، فكانت أهم المضامين التاريخية لاتفاقية البقط، براءة الإسلام السُّودَاني من

نزق العسكر واندياحه في حياة النّاس دون سيف ودون حماية من نظام قاهر، إن زوال الملك في حاضرة النوبة – دنقلا العجوز – كان أهم الأحداث بعد الاتفاقية إذ كان ذلك التداعي عرضاً من أعراض بلوغ دورة الحياة نهايتها في مملكة أسلمت فخرِبت، وزال عنها رسم الملك لأسباب اقتصادية واجتماعية ليس من بينها القهر بالسيف..

وكذا الحال في مملكة علوة، حيث أدارَ العرب الصِّراع لأجل المرعى والسيطرة.. وفي أجواء الاضطراب أو الحِيرَة نلاحظ فتور النوبة عن دفع الجزية إذ بدأوا يتلكأون في التزامهم بدفعها إلى مصر، من واقع الإحساس بها كعبء ثقيل، لذا كان من الخطأ التقرير بأن (الجزية انقطعت بإسلام النوبة)… ومتى أسلم النوبة؟ إن الأسلمة عملية تاريخية – process –  لا تتقيد بالإجراءات النابعة عن الأنظمة في أوضاعها المتارجحة بين القوة والضعف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *