أعمدة صحفيةأهم الأخبار

*يا لتلك الأيام ويا لصفائها!*

 

*د.الجيلي محمد عبد الحميد محمد*

في صباح شتوي ماطر وشديد البرودة من العام ٢.١٥، تحركت أنا وثلاثة من أصدقائي بعربة بيجو من مدينة بيزانسون ساحرة الشرق الفرنسي المتاخمة للحدود السويسرية صوب عاصمة السلام جنيف. كنا وقتئذ طلابا نحو درجة الدكتوراه ببعض الجامعات الفرنسية.كل شي كان مثيرا لي أثناء الرحلة ؛ الطقس بارد والغيوم داكنة اللون تنذرنا بمطر غزير وكنت أنظر عبر نافذة السيارة لكي أتأمل جمال المشهد والمناظر الطبيعية الخلابة والخضرة والتضاريس الجبلية والأشجار العملاقة التي سحرت عقلي وعينيّ ،فسبحان الخالق المصور المبدع. بعد برهة من الزمن دوزنت لنا الطبيعة لحنا شجيا فأمطرت بغزارة فانتعشت روحي و نسيت همومي لأن المطر هو عطري الذي لا يضاهى وعشقي السرمدي منذ الصغر . في تلك الأثناء أكمل جمال اللوحة صاحب الصوت الشجي الراحل المقيم محمد وردي برائعته هجرة عصافير الخريف عبر مسجل العربة :

ليه يا عصافير ليه الأسف

مين علمك أسف الوداع

وعارف دا ما أول سفر

لبلاد بعيدة بدون متاع

زى ما بتخافي من الرياح

بنخاف كمان انحن الضياع

ليه يا عصافير ليه الضنى

صفقة جناحك احزنها

 

وبينما أنا سارح بخيالي وتأملاتي في سحر المنظر وجماله الأخّاذ ، تذكرت العبارة الملهمة للقائد الفرنسي العظيم نابليون بونابرت التي أحفظها عن ظهر قلب منذ أن كنت تلميذاً غض الإهاب في بوادي كردفان الجميلة: جبال الألب شاهقة سوف تعيقك عن المسير، فرد لهم ينبغي أن تزول؛ وذلك كان رده لمن يريد أن يخبره بصعوبة تحقيق أحلامه وأمانيه بالتمدد في حكم أوروبا. يا لقوة الإرادة ويا لقوة الشكيمة !.حقا إنها مقولة ملهمة ونبراسٌ يُهتَدَى به بغية تحقيق الآمال والأحلام.

٢

قبل دخولنا إلى جنيف توقفنا ببلدة فرنسية صغيرة ، تقع على جانبي الطريق، تحيط بها الجبال من كلِّ جانب ومبانيها ذات طابع معماري فريد  تمتد إلى أعالي الجبال ، حيث يوجد مقهىً صغير تفوح منه رائحة القهوة الفرنسية و يديره شخص عمره يقارب السبعين أو يزيد قليلا ، شعره يكسوه الشيب ، ذو عينين خضراوين وشارب كث ، يرتدي ملابس بالية ويضع قبعة رعاة البقر على رأسه، يجلس على كرسي وثير ويقوم بتنفيذ طلبات الزبائن،  يبدو من مظهره أنهُ شخص ودود ولين الجانب. في ذات الوقت ،كان مذياع المقهى يبث أغنية مليئة بالشجن لصاحبة الصوت الملائكي المغنية الكندية الفاتنة سيلين ديون وتحكي فيها لوعة الاشتياق وهجر الحبيب وقسوته وكسر قلبها ؛فأثارت عليّ شجونا كانت كامنة و محاطة بكمية من الجروح التي أدمت قلبي.

وبينما كان أصدقائي يختارون ركناً قصياً داخل المقهى وذلك بفعل الطقس الذي لا يحتمل ؛طلبت من النادل كوب كباتشينو ساخن وجلست أمام المقهى وحيداً أتأمل المارة وجمال الطبيعة.

٣

وصلنا إلى جنيف بسلام وقبل أخذنا جولة في معالم المدينة الفائقة الجمال؛ استضافتنا أسرة سودانية تقيم منذ عشرات السنين هناك و تنحدر من شمال السودان على مائدة الإفطار. أعدّت لنا صاحبة الدار وجبة سودانية دسمة وخدمتنا وقوفا ريثما ننتهي من تناول الطعام، إنها حقا امرأة دمثة الأخلاق وسمحة السجايا. حياك الغمام  امي وحفظك الرب اينما كنتي!. حكي لنا زوجها الفاضل عن سويسرا وعن مغامراته وقصة هجرتهم من قرية نائية بأقاصي شمال السودان إلى المملكة العربية السعودية إلى أن طاب بهم المقام بعاصمة السلام جنيف وكان حديثه شيقاً ، ممتعاً وملهماً.

٤

بعد الانتهاء من تناول وجبة الإفطار و احتسائنا القهوة ؛ أخذنا ابن الأسرة الفاضلة إلى جولة في المدينة. طلبت منه أن نبدأ جولتنا بمتجر شهير لسودانيٍّ مقيم هناك، تباع فيه الثياب السودانية حتى أشتري ثوبا لوالدتي وعمامة فخيمة لعمي أوصاني بها عندما أخبرته بأنني بصدد زيارة جنيف .لسوء الحظ لم نجد صاحب المتجر لأنه كان مرتبطا بمواعيد مسبقة ولكننا وجدنا مجموعة كبيرة من السودانيين أمام المتجر و تجاذبنا معهم أطراف الحديث و أظنهم يعملون في وظائف مرموقة بالمنظمات الدولية هناك. بعد ذلك،ذهبنا إلى زيارة بحيرة جنيف. يا إلهي لقد بدأ رذاذ المطر يتساقط على رؤوسنا حالما وصلنا ،كأنما كان السحاب يحتفل ويرقص فرحاً بمقدمنا ،يا لجمال المنظر ويا لسحره الأخّاذ. وجدت جنيف مدينة تقطر جمالا ؛حيث النافورة التي تعتبر معلما بارزا لكل زائرٍ للمدينة وساعة الزهور العملاقة التي تقع على الجزء الشرقي من البحيرة تحكي عن عبقرية السويسريين وفنهم الأَخّاذْ.

٥.

انتهت جولتنا ومن ثَمَّ بدأنا رحلة العودة تجاه بيزانسون والليل أرخى سدوله. لاشك أنها كانت رحلة عودة ممتعة لي لأني أعشق السفر في الليل حيث يحلو السمر والتأمل في النجيمات البعيدة التي تعكس هندسة الخالق الواحد للكون. وبينما كانت السيارة تنعطف يميناً ويساراً بين الجبال ،داعبت قلبي ذكريات أليمة وذهب بي خيالي بعيدا إلى عالم من الشجن الأليم وأحلام عمري الغضة التي لم ينطفئ بريقها.لا أدري لماذا مرت أمام عينيّ في تلك اللحظات صورة عذابات المحبين ومظاليم الهوى وأنا منهم ولا ريب في ذلك فكانت سلواي ونجواي أبيات الشاعر الأروع هاشم صديق:

سألت عليكِ

لا خليت رمُل

في القيف

لا خليت صَدَف

في القاع.

بَحَتّ القَمَره

بي ايدَّيا

ما خليت حُجار

وشُعاع.

وَصَفْتَ صِباكِ

للتلفاز

رسمت هواكِ

للمذياع

جَدَعني الشوق

لحضْن الريح

ولفّيت

أسأل الاصقاع.

 

 

 

*د.الجيلي محمد عبد الحميد محمد*

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق