أعمدة صحفية

ماذا خسر السودانيون بغياب الدولة السودانية

 

بقلم: نادر فتح العليم

 

 

تكونت الدولة السودانية الحديثة في العام 1956 مباشرة بعد االستعمار االنجليزي حيث تولت النخب السياسية

السلطة واجمعت من داخل البرلمان علي ان السودان للسودانيين، ولكنها لم تجمع علي كيف يحكم السودان من خلال رؤئ واضحة لطريقة الحكم انما عملت على قيام اجهزة الحكم وتركت التفاصيل مرتعا خصبا لشيطان السياسة يوجه اتباعه كيفما يشاء ويسوق لهم من التبريرات ما يرضي به طموحاتهم في الاستيلاء علي السلطة بالطرق الميكافيلية بدون برنامج واضح مما ادخل البالد في دوامة العسكر واالحزاب، وجعل من السلطة غاية ومطلب وليس وسيلة، استخدمت الأحزاب التقليدية بعدها الطائفي في حشد الاصوات ولم تطور من الحياة السياسية وتدفع بها في

اتجاه الحكم الرشيد من حيث بناء حكم يستند علي البرامج والرؤي السياسية والتنموية والكوادر المؤهلة، بل عملت علي تصفية كل من يريد ان يعمل وفق رؤي واضحة بعيدة عن البعد الطائفي مما ادي الي تشظي الاحزاب وخروج النخب بمكونات سياسية جديدة سارت في اتجاه مغاير لما ارادته الطائفية الا أنهم سرعان ما اصطدموا بالعمق الطائفي في المجتمع، مما جعل بعضهم يتراجع ويركن الي طريقة الطائفية السهلة في جمع الاصوات وحشد التاييد في مجتمع لم يكن مستعد او لم يهياء الي قبول الدولة الحديثة ذات البرامج والمؤسسات، مما ادي الي اقالة الرجل الذي رفع علم ااوحكومته بعد ستة اشهر فقط من قيام الدولة.

ثم تمادت الطائفية و النخب السياسية في الخصومة والفجور فيها الي درجة اخلت بالنظم الداخلية لديها والرؤي

االسترتيجية ، مما ادي الي اقالة رؤساء وزارات ناجحين ليتولي ابناءها رئاسة الوزارة، وذهبت الي ابعد من  ذلك في استدعاء الجيش من سكناته الي منصات الحكم مما ادي الي دخول فصيل جديد الي اللعبة السياسية، عانت منه الاحزاب بعد ذلك ولكن كانت معاناة الشعب السوداني هي الاكبر حيث ان جل الاحزاب السياسية  خاصة القوي الحديثة، اليمينية منها واليسارية، اعجبت بالطريقة السهلة ابعاد الخصوم السياسيين واستخدمت نفس االسلوب في الوصول الي السلطة.

هذه المقدمة ضرورية من اجل الدخول الي الموضوع والذي يتناول بعد اخر بعيد عن سرد التاريخ السياسي

السوداني واوجه القصور، رغم ضرورة الامر في التحليل السياسي والذي يستند علي تعريف جزور المشكلة من اجل الوصول الي النتائج، ولكن ما نقوم به هنا هو تعريف النتائج التي عاني منها الشعب السوداني لفشل قادته ونخبه السياسية والتي قد لا تكون مكان للحسبان لدي الكثيرين نسبة لاننا شعب يمتاز بالصبر والقناعة.

ماذا خسرنا بغياب الدولة، خسرنا البعد الاستراتيجي في ادارة الدولة واعطاء العمليات الادارية عمق وبعد يدعو للتحديث والاستمرار، خسرنا ان يكون للتعليم هدف وللصحة غاية وللتطور والنماء ديمومة، ولكي نقرب

الصورة الذهنية اليكم الامثلة التالية:

اولا: سوء ادارة الدولة للموروثات التحتية من الاستعمار مثل السكك الحديدية، مشروع الجزيرة، الخدمة

المدنية، والتي قال عنها الانجليز انفسهم انهم لم يتركوا في بلد منشاءات مثل ما تركوا في السودان.

ثانيا: عجز النخب والاحزاب عن ايجاد برنامج خططي للبناء والتنمية والتخطيط المستقبلي لكيفية الاستفادة

من موارد البالد وتسخيرها لبناء الانسان والسودان.

ثالثا: ترهل الخدمة المدنية وافراغها من كونها جهاز خدمي الي جهاز مستهدف من قبل السياسيين للتمكين وضمان الولاء للسلطة الحاكمة، حيث بداء الاستقطاب للخدمة المدنية منذ العهد المايوي الاول مع الشيوعيين، واكتمل الاستقطاب بصورة كاملة في عهد الانقاذ، وهذا هو وجه الشبه الحقيقي بين اليسار واليمين السياسي

في التنظيم والتنفيذ لالستيلاء علي السلطة وادارتها.

لم يتحدث احد في يوم من الايام عن اصلاح الخدمة المدنية وانما بذل كل الجهد للسيطرة عليها وجعلها جزء

من العملية السياسية بعيدا عن دورها الخدمي مما اضعف دورها اتجاه المواطن وزاد في معاناته.

رابعا: لم يتم تحديث العملية التعليمية وخلق الصلة بين المناهج واحتياجات سوق العمل من اجل التقليل من نسب البطالة وسط الخريجيين، بل لم تكن العملية التعليمية يوما جزء من مكونات الخطة القومية العامة للاستفادة من المخرجات التعليمية، حيث ان كل عام هناك المائة الاوائل من الشهادة السودانية الذين لا يعرف مصيرهم بعد اعلان اسمائهم في اجهزة العالم.

خامسا: غياب الدولة في مجال التخطيط والمتابعة افقد الشعب الانسجام مع الدولة وبرامجها، وجعل الكل يسير في طريق بالتوازي مع الاخر مما اضاع علي الدولة فرصة الاستفادة من الكادر البشري القوي، وافقد الشعب اختصارالزمن في تحقيق الاساسيات الانسانية للعيش، حيث يضيع عمر الشعب في الحصول على ابسط حقوقه السياسية التي هي من اساسيات عمل الدولة مثل التعليم، الصحة، السكن، الخدمات من كهرباء ومياه وطرق وكباري. وهذا ما يفسر نجاحات السودانيين في الخارج ، حيث توجد دولة وخطط وبرامج تعمل علي الاستفادة القصوي من المقدرات البشرية القومية او الوافدة من اجل خدمة اهداف وطموحات الدولة.

اخيرا: اهم ما فقد السودان من ضياع الدولة هو عدم بناء مجتمع مدني واعي منتج حريص علي حقوقه وواعي بواجباته متجانس مع خطط وبرامج الدولة ، وهذا هو الطريق الوحيد المستدام لبناء امة لها وطنية وغيرة على البلد، امة تلعب دور المراقب وتجبر الاحزاب والكيانات علي احترامها وتقديم البرامج لارضائها، امة يخشاها كل من هو علي السلطة وليس العكس، امة واعية موحدة حول اهداف وبرامج من اجل واقع متطور ومستقبل مزدهر.

لك الله يا وطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *