أعمدة صحفيةأهم الأخبار

إحتضار أغنية

 

* أبشر الحاج عبدالسيد

رشح في الأسافير أن هنالك محاولة لإرجاع البروفسور محمد الأمين التوم لتولي وزارة التربية والتعليم مجددا.. أعتقد إنه يجب أن تسند هذه الوزارة لإنسان ثر المعرفة والخيال، بغض النظر عن إنتماء هذا الشخص.. فقط يجب أن يكون مميزا.. وبحكم تجربتي الأكاديمية، أن أفضل مقرر دراسي للغة الأنجليزية في السودان كان (Nile Course) وذلك لأن من وضعوه كانوا أهل دراية ومعرفة وخيال خصب. يتجه التعليم الحديث إلي تنمية مهارات التفكير النقدي الإستقصائي؛ الإستقرائي؛ والإستنباطي لدي الأبناء لأن طرائق ونظريات التعليم – علي شاكلة مناهج الإنقاذ– التي تقدم للطلاب الحلول المعلبة لمشكلاتنا الأخلاقية؛ الإجتماعية؛ والسياسية هي مدارس همجية لا غير.

عنوان المقال أعلاه؛ مقابلة لاسم كتاب لكاتب الأطفال الأمريكي إريك كارل “إنني أرى أغنية”. يقول في مقدمته (إنني أرسم موسيقي.. أسمع لوناُ.. إنني ألمس قوس قزح.. موسيقاي تتكلم.. ألواني ترقص؛ تعالوا أنصتوا ودعوا خيالكم يجسد أغانيكم الخاصة).

الكتاب ليس به حرف موسيقي واحد وليست به كلمة واحدة مغناه.. إنه ترجمة باللون والشكل لمقطوعة موسيقية غنائية. الكتاب لا يريد أن يحجز منذ اللحظة الأولي على خيال الطفل.. هو يقدم له مقطوعته الموسيقية الغنائية ملونة بلا عنوان؛ لأن العنوان يحصر الطفل داخل قضبان الموضوع المحدد.

إنه يسأل الطفل سؤالا بريئا قبل أن يقدم له معزوفته الملونة: مالذي تراه عندما تنصت؟ مالذي تشعر به عند سماعك الموسيقي؟ هل تحس بالسعادة؟ هل تشعر بالحزن؟ وهل تجعلك الموسيقي تفكر في قصة ما؟

* تفألت أيما تفأؤل حين سمعت أن البرفسور محمد الأمين التوم قد أصبح وزيرا لوزارة التربية والتعليم, فخيل لي إنه أتى من سيطلق العنان لخيال أطفال السودان بلا حدود وأتى من ينبت لهم مزيدا من الأجنحة يطيروا بها على بساط من ريح الموسيقى والخيال داخل عوالم أنفسهم. فهو كان يريد أن يصب الطفل أقصي ما لديه من جموح الخيال في عالم اللألوان والظلال والتصورات والتراكيب الذهنية الإبداعية؛ حسب مقدرات كل طفل على استجماع خبراته من مفردات الألوان والصور المحيطة به في عالم الطبيعة وعالمه الخاص.

* لا شك أن بروفسور التوم كان يعي أدواته التشكيلية مثلما يعي هدفه من تحويل الصوت إلى لون.. فهو لايريد أن يسجن خيال الطفل  داخل أشكال محددة بلون واحد.. فهوكان يريد أن يتدرج بمشتقات اللون الواحد ليصعد بالطفل على درج من سلالم اللون الواحد.. وحينما يتصادم بالألوان المضادة لكأنما يستفز غريزة الحوار بين الطفل والألوان ليقترب من علاقات كونية جديدة لا وجود لها في غير عالم الطفل ليصبح الطفل نفسه إيقاعا شديدا مضيئا في سمفونية الطبيعة.. يتوحد بها وتتوحد به؛ ويمتلك شجاعتها في التعبير بمختلف ألوانها.

* أراد الوزير المستقيل ومدير مركز مناهجه د. القراي أن يستهدفا الطفل عن طريق جناحين مثيرين: الصوت واللون.. فالصوت أول مثير لإنتباه الطفل, واللون هو أول خاطف لبصره. وبينهما يستطيع الخيال أن يسيطر بملايين الأجنحة.. ولكن ما يؤسف أنه أراد بعض المستلبين سجن البراءة وتنميطها بما يوائم ما سطح من تفكيرهم.. فليتهم علموا أن الأمة التي لا تسهم في إنتاج الفكر لا يمكن أن ترسخ أقدامها في إنتاج الموارد. وفي هذه الحالة الحديث عن إستقلال القرار فكاهة يشبه ضحكها البكاء.

* ترى كم من هولاء (تربويين وموسيقيين وفنانين تشكيليين – منذ الإستقلال) فكروا في أطفالنا بهذه الطريقة المذهلة.. بكل هذه المحبة الراهبة في محراب الطفولة؟! بل: كم منهم فكر أساسا في هذا الكائن الجميل البريء المهمل؟! وبعد ذلك نتهم أطفالنا –عندما يكبرون– بالخوف وعدم الفهم وضيق الأفق!! وإلا ما كانت رواية بركة ساكن “مخيلة الخندريس” شاهدا علي ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *