تقارير

القيمة السياسية لإعلان وصول السودان إلى نقطة القرار بإعفاء الديون

    الخرطوم / اسماء السهيلي  

        وجد إعلان صندوق النقد الدولي وصول السودان لمرحلة اتخاذ القرار بإعفاء ديونه التي تقدر بحوالي 60 مليار دولار والاستفادة من مبادرة الدول النامية والمثقلة بالديون ( هيبيك ) ترحيبا دوليا كبيرا ، ولكن الاهم من هذا الترحيب هو الدعم السياسي الدولي الذي بذل وكان اساسيا في الوصول إلى نقطة القرار ، إذ أن  التفاوض للاستفادة من هذه المبادرة قد طرق بابه من قبل النظام المباد ، وكان لزاما عليه ان يبدأ من نقطة الصفر وبدايات التفاوض التي عادة ما ترتبط بأوضاع حقوق الإنسان والحريات في البلد المعني ،  وهو ما كان يفشل فيه ويبعده عن شاطيء بدء التفاوض نفسه ، وكانت اخر محاولاته في العام 2016.

        وبحسب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بيان مشترك لهما فان العملية تعد الاكبر على الاطلاق في تاريخ المبادرة التي اطلقت في العام ١٩٩٦م ، وذلك لأن القرار سيتيح تخفيفا كليا لاعباء الديون بقيمة ٢٣,٣مليار دولار أمريكي ، كما أنها تمثل حوالي ٣٦% من المجموع التراكمي لمساعدات  تخفيف أعباء الديون الممنوحة في إطار المبادرة الى ٣٧ بلد سبق لها الاستفادة منها ٠  

     كما أن العملية تعتبر الأقصر إذ لم يتجاوز عمر برنامج المراقبة الخاص لإتمام العملية العام الواحد ، رافقه برامج دعم مالي مباشر ( ثمرات ) لتخفيف حدة اجراءات البرنامج على المواطن السوداني.

            منتصف يوليو

        وعندما يأتي الحديث عن عوامل نجاح العملية وصولا إلى نقطة القرار ، فإنه لايمكن تجاوز الدعم الذي وجدته العملية من مؤتمر باريس الذي نظمته فرنسا في مايو الماضي لدعم التحول الديموقراطي بالسودان ، وقد  أعلنت وزارتا الخارجية والمالية الفرنسيتين بعد ترحيبهما بإطلاق عملية تخفيف عبء الديون الخارجية على السودان ضمن مبادرة هيبيك ، بمواصلة هذا الدعم ، وبحسب بيان مشترك وجهتا الدعوة للدائنين لتخفيض الديون وقالتا “يخطط نادي باريس لتخفيض الديون الخارجية للسودان في منتصف يوليو. وقال البيان :  ننتهز السانحة لدعوة جميع الدائنين؛ سواء أكانوا أعضاء في نادي باريس أم لا، للانضمام إلى هذا الجهد الجماعي.. نذكر بأن النجاح في مهمة إعفاء ديون الخرطوم أمر ضروري لنجاح التحول الديمقراطي الجاري، والذي تدعمه باريس بالكامل. تؤكد فرنسا من جديد استعدادها لإلغاء جميع ديونها على السودان، طبقا لتعهدات الرئيس ماكرون في مايو الماضي” ٠

              دور حازم

       وزارة الخزانة الأمريكية رحبت من جانبها بالخطوة ، ونقل بيان عن وزيرة الخزانة جانيت يلين قولها ان هذه لحظة تاريخية للسودان وشعبه واضافت ان الولايات المتحدة تفتخر بأنها كانت من أوائل المدافعين عن السودان في سعيه لتطبيع العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية ومساعدته على تأمين تخفيف الديون.

واضافت الوزيرة الامريكية بان هذه الخطوات ستساهم في اطلاق التمويل الذي يعد السودان في امس الحاجة اليه للمساهمة في بناء الأساس للحد من الفقر، والتنمية الشاملة، والنمو الاقتصادي.و نقل عنها البيان قولها “يمكن لجميع السودانيين أن يفتخروا بهذا الإنجاز “. واشار البيان الى ان الولايات المتحدة الامريكية قد لعبت دورًا حاسمًا في دعم مسار السودان لتخفيف ديون مبادرة هيبيك، تقديراً للعمل المهم الذي اضطلعت به حكومة السودان لاستعادة الاستقرار الاقتصادي

واضاف “قدمت وزارة الخزانة تمويلًا تجسيريًا بحوالي 1.15 مليار دولار في مارس لمساعدة السودان على سداد متأخراته في البنك الدولي، دون أي تكلفة على دافعي الضرائب الأمريكيين، وشاركت في استضافة اجتماع مائدة مستديرة مع وزارة الخارجية لتشجيع الدائنين الثنائيين للسودان على جهود اعفاء سداد الديون، كما التزمت وزارة الخزانة بالمساهمة بما يصل إلى 120 مليون دولار من موارد المنح لتمويل إعفاء صندوق النقد الدولي من ديون السودان في إطار المرحلة الأولى من مبادرة هيبك التي أعلن عنها

وقالت الوزيرة انه يسر الولايات المتحدة أن تنضم إلى أعضاء نادي باريس الآخرين في تقديم تخفيف فوري ومستقبلي للديون وفقًا لأحكام مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، وستواصل دعم السودان في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الإضافية اللازمة لإكمال عملية مبادرة هيبيك ، واشار البيان الى ان السودان الذى يعد آخر دولة تسدد متأخرات طويلة الأمد لصندوق النقد الدولي، لا تواجه الآن متأخرات سداد من أعضائه للمرة الأولى منذ أوائل عام 1975  

          مجموعة السبع

    أيضا رحبت بريطانيا باعلان وصول السودان إلى نقطة القرار في مبادرة الهيبيك وعبرت عن سعادتها بالقرار ، مشيرة إلى بذلها جهود كبيرة أسهمت في الخطوة،من ضمنها تقديم 36 مليون جنيه إسترليني  من احتياطيها لدى صندوق النقد الدولي للمساعدة في تسوية ديون السودان

      واشارت في بيان لوزارة الخارجية  الى ان  وزير الخارجية دومينيك راب قد أعلن في شهر مايو تقديم قرض مدته يوم واحد بقيمة 148 مليون جنيه إسترليني لمساعدة السودان في سداد الديون المتأخرة عليه للبنك الأفريقي للتنمية

       وقال البيان : (هذه المرحلة المفصلية في التنمية الاقتصادية للسودان تعني أن باستطاعة الحكومة السودانية الآن الحصول على مليارات الدولارات من الأموال الجديدة من مؤسسات متعددة الأطراف لإنفاقها على الرعاية الصحية والتعليم، وتحسين معيشة المواطنين، والمساعدة في الانتقال إلى الديموقراطية ).

    و بدوره قال وزير شؤون أفريقيا جيمس ددريدج :(هذه خطوة هائلة بالنسبة للسودان. وإنني أهني رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك وحكومته على هذا الإنجاز الهائل.إن المملكة المتحدة ملتزمة بمساندة السودان بينما يواصل سداد ديونه الثقيلة، فذلك يجعله بلدا أكثر جاذبية للمستثمرين، ويجعل شعبه أكثر صحة ورخاءً).  

       ونوه البيان الى ان المملكة المتحدة استغلت رئاستها لمجموعة السبع للاتفاق على حزمة تمويل طموحة تتيح تسوية الديون المتأخرة على السودان لصندوق النقد الدولي، وذلك في اجتماع مجلس صندوق النقد الدولي بمشاركة وزراء مالية دول مجموعة السبع وشركاء دوليين آخرين في يونيو. 

     و قال وزير الخزانة ريشي سوناك:أهنئ الحكومة السودانية على وصولها إلى هذه المرحلة المفصلية الهامة، وجاء في البيان ايضا : ( اعتبارا من اليوم، يكون السودان قد سدد بالكامل الديون المتأخرة عليه للبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية وصندوق النقد الدولي، والبالغة 2.9 مليار دولار، وبذلك تكون قد أزيلت العقبة الأساسية أمام حصوله على أموال جديدة من هذه المؤسسات متعددة الأطراف.واضاف البيان:إن سداد ديون السودان يضعه في مكانة قوية الآن للعمل تجاه سداد الديون الثنائية مع دول أخرى، وبالتالي جعل سداده للديون أكثر استدامة).

           الثقة والرضا

   الدبلوماسي والمحلل السياسي السفير علي يوسف يشير لــ( المواكب) إلى البعد السياسي في مرحلة ما قبل  إعلان وصول دولة ما إلى نقطة القرار بإعفاء الديون ، ويرى ان إعلان الوصول إلى هذه النقطة نفسه لاياتي الا بعد توفر الثقة والرضا عن الدولة المعنية حيث يقول :(ان مبادرة إعفاء الدول المثقلة بالديون هي مبادرة سياسية في المقام الأول والهدف منها دفع الدول الاقل نموا التي تقع فريسة لمسألة الديون الا يكون أمامها طريقة غير الاستدانة سواء كان من المؤسسات المالية الدولية أو الحصول على قروض من الدول ومن المؤسسات المالية الخاصة ومن المؤكد أن الاستدانة وعدم القدرة على السداد هي جزء من الواقع الاقتصادي الاستغلالي الذي تعيشه كثير من دول العالم التي ليس لديها ثروات مثل البترول والغاز وغيره. )

     ويقول السفير علي يوسف: (أخطر مافي عملية الاستدانة دائما العجز عن السداد في الوقت المحدد حسب الاتفاقيات ويصبح انه ليس أمام الدولة المعنية سوى إعادة الجدولة والخضوع للفوائد الكبيرة على الديون ، وفي نهاية الأمر تكون الدولة مثقلة بالفوائد التي تحسبها الصناديق والدول الدائنة  ديونا كما حدث للسودان ، ومن هنا جاءت مبادرة( الهيبيك )، وهي اقرب إلى إعفاء الفوائد وخلالها يتم فرض شروط قاسية جدا على هذه الدول حتى تصبح مؤهلة لعملية إعفاء الديون).

       ويمضي يوسف بالقول :  (ظاهرة الديون هي ظاهرة  اقتصادية و انعكاس لعدم التوازن في الدخول واستغلال الدول الغنية للدول الفقيرة واستغلال الشركات العابرة للقارات للدول الفقيرة ، وتصبح العملية من اولها إلى آخرها اقرب إلى العمل السياسي وتصبح الدول خاضعة للابتزاز السياسي وفي النهاية الاستجابة تاتي في إطار العمل من خلال الإصلاحات الاقتصادية والاجراءات التي يقرها صندوق النقد والبنك الدوليين ، وكان بالإمكان خلال الفترة السابقة  ان يكون السودان ضمن الدول التي تشملها المبادرة ، ولكن لأسباب سياسية  ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم الفيتو ضد أية محاولة لجدولة ديون السودان  أو اعفائها ٠)

     ويقول السفير علي يوسف إذا ٠٠القيمة السياسية للوصول إلى نقطة القرار  بالإعفاء هو ان هناك رضا من المؤسسات المالية ومن القوى الاقتصادية الكبرى وهناك نوع من الثقة في الحكومة المعنية ، وبالنسبة للسودان ما ذكره السيد رئيس الوزراء من إصلاحات اقتصادية قاد للوصول إلى نقطة القرار،  وهو في النهاية  انعكاس لوصول   المنظمات المالية والدول الدائنة إلى درجة الثقة  في نظام الدولة، ولذلك اغلب المعارضين لاعفاء الديون والإجراءات المالية  هم من أصحاب الميول الاشتراكية والتي ترفض الوضع الضاغط ، وفي الماضي كان هناك معسكران والآن العالم شبه محكوم بمعسكر واحد بقواعد اللعبة الرأسمالية ، والدول الاشتراكية نفسها نظمت اقتصادياتها بصورة اقرب للاقتصاد الغربي ٠ )

    ويختم علي يوسف بقوله مؤكد القرار نجاح كبير جدا للحكومة السودانية ونجاح لعملية الأصلاح الاقتصادي ،  ولكن من المؤكد أيضا أن الشعب السوداني دفع الثمن لهذه الإصلاحات ، و المؤكد ايضا ان السودان اذا أراد الخروج من النفق الذي دخل فيه هذا هو السبيل الوحيد، ولكن المأمول ان تتخذ الحكومة اجراءات لمساعدة الشرائح الأضعف في المجتمع السوداني والأسر الفقيرة من خلال اجراءات ضبط الأسعار وتجسير الهوة بين المنتج والمستهلك ، وبرنامج (ثمرات) الخاص بدعم الأسر وغيره من البرامج ٠

      

          أهم الثمرات    

  اما الخبير الدبلوماسي والمحلل السفير الصادق المقلي فيقول ان القيمة السياسية لهذا القرار هى اهم ثمرات وصول السودان الى نقطة القرار الأمر الذي جعل السودان مؤهلا تماما و مستحقا لاعفاء ديونه فى إطار مبادرة الهيبك،  و لعل القيمة السياسية و فى نظرى هى الاهم و هى الثمرة الآنية لهذا الإنجاز التاريخي كما ذكرت مديرة صندوق النقد الدولي فى البيان المشترك الذى صدر في اعقاب الاجتماع الثلاثى للصندوق و البنك الدولي و وكالة التنمية الدولية المناط بها تمويل المشاريع التنموية.. فى الثامن عشر من يونيو المنصرم و الذى كان امتدادا لاجتماع هذه المؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف فى الفترة ٢٣- ٢٦ مارس الماضي حيث تمخض هذا الاجتماع عن اعلان وصول السودان الى نقطة القرار و فتح  المجال واسعا لوصول السودان  خلال الثلاث سنوات المقبلة الى نقطة الإنجاز و التى يتم بموجبها إعفاء أكثر من ٩٠ في المائة من ديون السودان اى حوالى ٥٠ مليار دولار ،و تعتبر اكبر عملية إعفاء شهدتها الدول الفقيرة و المثقلة بالديون.)

 ويمضي المقلي بقوله :(نعم البعد السياسي تجاهلته معظم المداولات حول وصول السودان الى نقطة القرار و اهمية البعد السياسي في ان هذا الانجاز التاريخى و الذى حاز على تهاني و تبريكات المجتمع الدولي و خاصة الاتحاد الأوروبي و الامم المتحدة و بريطانيا و امريكا كان امتدادا لجهود مضنية بذلتها الحكومة الانتقالية في سبيل اندماج السودان في المجتمع الدولي و تطببع علاقاته مع المؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف ، بدات بمخاطبة د حمدوك للجمعية العامة للأمم المتحدة لاول مرة و زيارته لواشنطن و رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب و استعادة الحصانة السيادية للسودان و تسديد الكثير من متأخرات السودان في البنك الدولي و صندوق النقد الدولي و بنك التنمية الأفريقي ، و ذلك هو البعد السياسي اذ ظل السودان طيلة الثلاثين عاما الماضية محروما من الاستفادة من بيوت التمويل الدولية و من حقه فى إعفاء ديونه فى إطار مبادرة الهيبك ، والديون كانت عند مجى نظام الانقاذ المباد ١٢ مليارا و تراكمت بفعل خدمة الدين و عجز النظام البائد فى تسديد اى جزء من. هذه الديون. لذلك ارى ان البعد السياسي لا يقل أهمية من البعد الاقتصادي).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *