أعمدة صحفيةأهم الأخبار

رد فعل

عماد ابوشامة

تاور في كرمكول…!!

كتبنا قبل سبع سنوات اخيرا وزير الثقافة في كرمكول .. ووزير الثقافة وقتها في العهد المباد كان الطيب حسن بدوي وكان لاول مرة يزور كرمكول مسقط راس الاديب العالمي الطيب صالح وقد كان ذلك موقفا سياسيا من حكومة نظام المؤتمر الوطني الذي لم يرحب بمقدمه الطيب صالح عندما استلوا علي السلطة وقال قولته المشهور: (من اين جاء هولاء؟).

امس الاول زار كرمكول عضو المجلس السيادي صديق تاور ووقف علي اطلال بيت الطيب صالح الذي اصبح خرابة وكان من الممكن ان يصبح متحفا عالميا ومثل غيره وعد اهل الطيب صالح وبذل لهم الوعود وعاشوا هم علي الاحلام.

قرية كرمكول التي عجت بالكاميرات والفلاشات (الرسمية) في حضور وزير الثقافة في السابق وعضو المجلس السيادي امس الاول وجميعهم انتظروا حتى يرحل الطيب صالح ليحتفوا به كمبدع..!!.. وهؤلاء بالتأكيد لايعرفون أن المخرج الكويتي خالد الصديق زار كرمكول قبل أكثر من ربع قرن من الزمان ليقف على طبيعة المنطقة التي ولدت فيها رواية عرس الزين قبل أن يقوم باخراجها كفيلم سوداني .. باخراج كويتي.. وقد لايعلمون أنه تاه في صحراء بيوضة لأكثر من ثلاثة أيام وهو في طريقه لكرمكول .. وقد لايعلمون انه نال شرف أن التقى بعض الشخصيات الحقيقية التي نسج حولها الطيب صالح رواية عرس الزين ورواياته الأخرى.. وقد لايعلمون أنه ألف كتاباً عن زيارته لكرمكولتلك اسماه (عرسي وعرس الزين) نال حظه من الاثارة والترويج بمثل ما نالت روايات كاتبنا الكبير من الشهرة والعالمية..

وكرمكول شهدت خلال الأربعين سنة الماضية زيارات لوفود من مختلف أنحاء العالم وكان أبرزهم وأكثرهم الألمان.. وكان يقفون على كل حجر مر به الطيب صالح أو أحسوا بنفس رواياته فيه.. ولكن هؤلاء لم يفكروا في زيارة كرمكول الا بعد أن خلت من ريحة الطيب صالح ولم يبقَ من أهله الا الذين لم يعاصروه طويلاً .. وبالتالي لايعلمون عنه الا القليل.. وكل ما قاموا به هناك كان فاقداً للطعم والرائحة.

أكثر ما يحز في النفس أن يكتب رجل في قامة عبدالرحمن الراشد رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط اللندنية السابق بعد رحيل الطيب صالح.. عندما قال لماذا أهمل السودان أشهر رجاله؟: وأضاف: والمحزن أنه احتُفي بالطيب صالح في كل أنحاء العالم إلا في بلده السودان؛ خاصة في العهد الحالي؛ فقد رُحّب به في كل مكان شخصاً وعملاً؛ الليبيون جعلوا من إحدى رواياته عملاً درامياً، والكويتيون عملوها فيلماً سينمائياً، ونقل الألمان كل أعماله الأدبية من العربية إلى اللغات العالمية؛ وحرص المصريون على وجوده الشخصي والأدبي؛ واهتم به القطريون منذ أيام فقرهم؛ وكان نجماً دائماً في «الجنادرية» السعودي؛ عدا أن بريطانيا كانت الحاضن الأول له مع أنه صاحب الرواية الناقدة للاستعمار الإنجليزي؛ وصدام الحضارات.

ليس غريباً أن يكون المبدعون منبوذين في بلدانهم؛ لكن الطيب لم يكن رجلاً قاسياً مع خصومه؛ بل لم تكن له خصومات؛ كلنا عرفناه رجلاً مسالماً ومتصالحاً مع نفسه ومع من حوله. بعد مماته؛ كما كان يفترض في حياته؛ يستحق من محبيه الاحتفاء به؛ في مشروع أدبي أو فيلمي لتكريسه كما عرفناه؛ واحداً من أهم شخصيات العرب في القرن العشرين. ورغم أن الشأن السياسي السوداني كان ولا يزال إلى اليوم مهماً، فإن الطيب رغم موقفه الناقد لم يتحول إلى محارب حزبي، فقد عزف عن العمل السياسي مبكراً رغم أنه كان أكثر السودانيين شهرة في العالم. وعندما تجرأت الانقاذ على حظر بيع روايته جوبهت بنقد واسع من كل مكان؛ فاضطرت الحكومة إلى التراجع مدعية أنها ليس من منع الرواية؛ وفي إحدى المقابلات الصحفية سجل الطيب صالح موقفه بالرد التالي: (إخواننا في السودان نفوا ذلك، ولكي أكون منصفا قالوا: (لا، لم نمنعها ولكن منع تدريسها في الجامعات). هو عذر أقبح من ذنب، لأنه إذا قلنا إن رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) تضر القارئ غير الواعي، إذن على المستوى الجامعي ما هو الضرر؟).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق