أعمدة صحفية

*عبق و ألق*

شرحبيل قديم

*أكسح أمسح …النسخة المطورة*

سقطت الإنقاذ سقوطا مدويا فأجأ أهلها من قبل اللجنة الأمنية التي كان يعولون عليها في زيادة هامش المناورة السياسية للمركب الغارق، كما فاجأ خصومها السياسيين بانحياز ذات اللجنة الأمنية للتغيير ثم تبلور هذا الانحياز و أخذ شكله النهائي في التاسع عشر من أبريل 2019م ، إلى هنا و الأمر مستوعبا و طبيعيا فالاحتقان  الحاد و الغبن الاجتماعي الذي اعتمل في الصدور ثم تنامى وتعملق جراء مظالم و مفاسد الإنقاذ كان لابد له أن يصل إلى نقطة الانفجار و هذا امر لا ينكره منصف ويقره كل مدرك لنهايات الظلم عبر التاريخ الإنساني.

و منذ ذلك التاريخ و المشهد الوطني السياسي مرتبك و ملتبس فلا وجود لرؤيا وطنية جامعة و غياب تام لأي إدارة قوية للأزمة الاقتصادية الطاحنة وكل الحلول عند الذين تسيدوا المشهد هي الهجرة نحو الغرب و المؤسسات الاقتصادية الدولية ذات الشروط الخانقة و الصاغطة و المذلة بجانب التدخل السافر في سياسات الدول الداخلية.

على المستوي الشخصي كان مقززا لي أن أسمع ذاك المسئول الإنقاذي يخاطب زمرة من الناس في غرب السودان القصي *أكسح أمسح ما تجيبو حي* لأن مثل هذا القول المعوج فيه تجاوز لحقوق الآخر الشريك في الوطن حتى وإن تمرد وحمل السلاح، بجانب ذلك فيه تجاوز كبير للقانون و هذه بدوره يوقع الحيف و الظلم على الخصم السياسي و يولد الحقد والكراهية في نفوس من يناصرون ذاك الخصم السياسي.

ولكن الذي حدث كان غير متوقع بالكلية لأن خصوم الإنقاذ الذي تسيدوا المشهد الآن يسيرون على نهجها حذو النعل بالنعل وهذه هي *اكسح أمسح النسخة المطورة* بائنة للعيان ماثلة على مسرح الأحداث الوطنية ، فمنذ حدوث التغيير أحدثت لجان المقاومة عبثا كبيرا و مارست تجاوزا و فوضى هي أقرب للبلطجة حتى شعر الساسة الجدد بحرج كبير فأصدروا القانون الاتحادي بتكوين لجان الخدمات و التغيير و كان يمكن بعد هذا القانون و تكوين لجان الخدمات و التغيير أن يذهب الشباب المناسبين للجان المقاومة كل إلى حزبه و يمارس العمل التنظيمي وفق لوائح ذاك الحزب إن وجدت عندنا أحزاب راقية ولديها لوائح وأنظمة، و نتيجة سلوك لجان المقاومة حدث ثمة تداخل وقتها بين دور الشرطة و ممارسات  هذه اللجان حسم أخيرا بأن تكتفي لجان المقاومة ذات التواجد دون قانون بتكوينها وتعريف دورها تكتفي بالبلاغات للشرطة بدلا أن تمارس هي دور الشرطة والنيابة ، وما قامت به لجان المقاومة في فترة من الفترات هي صورة من صور  *أكسح امسح النسخة المطورة* .

ثم نأتي إلى لحنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة فنجدها صورة صارخة من صور *اكسح امسح النسخة المطورة*  لجنة تمارس دورا أخطبوطيا فهي تقتحم الدور و المؤسسات و تقبض على الأشخاص و تصادر الممتلكات و تستحوذ على السيارات وتقوم باستخدامها و تسجن من شاءت ، و هذا امر معيب بشهادة فقهاء القانون الوطنيون الشرفاء الذين شرحوا ذلك ، و عقلاء الساسة الذين أبانوا معايب هذه السلطات المطلقة التي تمارسها لجنة إزالة التمكين و استرداد الأموال العامة التي رأت ان تكون *أكسح امسح النسخة المطورة* كورالا جماعيا يتراقص على وقع ألحانه النشاز الحمقى و آخرين عقلاء ولكن ما وقع عليهم من مظالم من قبل الإنقاذ يجعلهم يرون ذلك حق حتى ولو تم بغير قانون مثالي، وحتى وزير العدل القادم من أرض اليانكي له تبرير بأن هذه الأموال أخذت بغير قانون فتسترد بغير قانون و كأن الخطأ يبرر الخطأ.

لجنة إزالة التمكين و استرداد الأموال العامة للأسف الشديد واحدة من الآليات التي تؤكد مدى بؤسنا عبر التاريخ السياسي ، فالعهد المايوي ابتدع  *التطهير واجب وطني* لابعاد خصومه عن العمل العام والتنكيل بهم، وجاءت الإنقاذ  وكأنها تقول ما في حد أحسن من حد  فكان *الصالح العام* هو يدها الباطشة للتخلص من خصومها في الوظيفة العامة والتمكين لمن تضمن ولاءهم، وها هو التغيير يستبدل تمكينا بتمكين آخر لذات الغرض و هو التخلص من الخصوم السياسيين من الوظيفة العامة فقط لمجرد أنك تنتمي لأي ذراع من أذرع الإنقاذ وهذا الأمر  وتكراره بهذا الشكل عبارة عن حالة مرضية متوارثة تظهر في فترات متباعدة في السياسة السودانية و هي واحدة من علل كثيرة تقعد بهذا الوطن الشامخ المبتلى بنخب هي دون قامته المديدة ..وللخروج من هذا البؤس السياسي البائن يجب علينا ان نؤمن بأن بناء دولة القانون و المؤسسات لا يقوم على مثل هذا السلوك الرغبوي في التخلص من خصومك السياسيين الذين هم مواطنون أصلاء و لايستجدون و طنيتهم نظام أو جهة ، كما أن الجميع أبرياء ما لم تثبت إدانتهم وفق آليات العمل القانوني المحترم والنزيه و المستقل، فثوبوا إلى رشدكم يا من آلت إليكم مفاصل حكم الوطن و ارتقوا إلى مصاف الرؤية الوطنية المتعقلة ثم لم شعث هذا النسيج الاجتماعي لجميع أبناء الوطن.

اختلف الناس مع الانقاذ التي سقطت غير أن هذا الاختلاف لا يبرر أن تفعل ما تشاء وفق رغبتك تجاه خصومك السياسيين بل القانون هو الذي ينظم الشأن العام.

هذا ولكم فيض مودتي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق