أعمدة صحفية

مختصر سيرة زارع الألغام

  • النهب الممنهج للموارد ، والتجريف المتعمد للأخلاق والقيم الوطنية، أورثنا بلداً ينبغي أخذه لغرفة الإنعاش.
  • هاجس الشرعية دفع الكيزان لتفكيك الأجهزة العسكرية والأمنية وإنشاء أجهزة بديلة موازية.
  • استقرت موارد الدولة في جوف الحوت، وانتشرت ظاهرة المليشيات الخاصة بمراكز قوى النظام !.
  • بعد المفاصلة  لم يصبح النظام عسكرياً خالصاً، ولم يعد إسلاموياً خالصاً كما كان !.
  • على الاختصاصيين في استراتيجيات إدارة الدولة الانتباه إلى أعمق ما رسَّخه حكم الكيزان من نهج وثقافة في مفاصل أجهزتها.

عزالدين صغيرون

قلنا من قبل أننا “سنرى فيما بعد، وحتى لا نُتهم بإطلاق الكلام جزافاً، كيف أن هيمنة اللجنة الأمنية تقود إلى تفكيك الدولة، وأننا الآن نجلس على برميل بارود يوشك على الانفجار” (1). وهناك من الدلائل ما يكفي ليؤكد بأن الطريق الذي تقودنا فيه لجنة البشير الأمنية والمكون العسكري في السلطة الانتقاليَّة، ليصل بالدولة إلى هاوية الفناء، مزروع بالألغام. وسنرى أن لجنة البشير الأمنية ومكونها في السلط الانتقاليَّة كان هو “زارع الألغام” ولا أحد غيره.

لقد خلفت سنوات الإنقاذ العجاف العديد من الأمراض في كيان الدولة نتيجة للنهب المنظم الممنهج لموارد الدولة، والتجريف المتعمد اللئيم للأخلاق الإنسانية والقيم الوطنية، وورثت السلطة الانتقالية بلداً مثخناً بالجراح، ينبغي أخذه إلى غرفة العناية الفائقة.

وسرعان ما اكتشف الثوار أنهم، وإن استطاعوا الإطاحة بالبنية الفوقية للنظام الإسلاموي، إلا أن النظام الإسلاموي استطاع خلال عقوده الثلاث أن يزرع في مفاصل الدولة العديد من خلاياه السرطانية المقاومة لكل إصلاح. وأخطرها كان ما استقر في مفاصل الدولة الأمنية.

وبقليل من التفكير الموضوعي الواقعي يستطيع الواحد أن يتوقع هذا من نظام قمعي ديكتاتوري فاسد حتى النخاع، ما كان ليستطيع الصمود طيلة هذه الفترة الطويلة في الحكم، رغم خلوّ كتاب عهده من أي صفحة، بل من أي سطر إنجاز يُذكر، ورغم كل الهبات والانتفاضات الشعبية، لو لا قبضته الأمنية وسياساته القمعية. 

 

(هاجس الشرعية وتفكيك الأجهزة الأمنية)

ومنذ سطا الإسلامويين على السلطة كان الهاجس الأمني هو المسيطر على تفكيرهم. ولذا عمدوا فور استلامهم الحكم على إفراغ الجيش والأمن والشرطة من العناصر المشكوك في انتماءاتها السياسية أو ميولها الفكرية والعاطفية التي لا تتسق أو تتلاءم مع الإسلام السياسي. بل شمل الإقصاء حتى العناصر الاحترافية في هذه المؤسسات ممن ليس لهم حتى شبهة ولاءات أو انتماءات سياسية وإحلال كوادرهم الحزبية مكانهم. ولم يمض عام إلا وقد تمت أخونة المؤسسات الأمنية والعسكرية والشرطية. 

ولأنهم اغتصبوا السلطة بانقلاب غادر، كانوا مثل أي لص، يفتقرون إلى الأمان لإحساسهم بعدم شرعية ما امتلكوا سرقة واغتصاباً. لذا عمدوا إلى تفكيك الجيش والمؤسسات الأمنية. ولمزيد من الاحتياط أنشأوا مؤسسات أمنية بمرجعيات تنظيمية موازية: شرطة شعبية، وجهاز استخبارات، وجيش شعبي، تم الصرف عليها من خزينة الدولة بسخاء، وبصلاحيات تعلو على المؤسسات القومية. وبالطبع تم الإبقاء في قيادة الجيش والمؤسسات القومية على العناصر التي ترضخ – بسبب طموحاتها الشخصية الخاصة وضعف وازعها الأخلاقي – وتتقبل كل ما يحدث. 

ولأول مرة تشهد المؤسسة العسكرية التي اشتهرت بالضبط والربط وصرامة التراتبية، ضابطاً برتبة عقيد يمكن أن يصدر أوامره لرتب أعلى مع العقيد شمس الدين على سبيل المثال، يتمتع بسلطات تعلو من على من يعلونه رتبة.    

لقد تم الصرف بسخاء عليهما معاً الجيش والمؤسسات الأمنية القومية والتنظيمية. وأنشئت لهما الشركات الاحتكارية الخاصة وأطلقت يدهما للإتجار في كل شيء. وحمل الأقارب والمعارف أرفع الرتب العسكرية، حتى كاد الجيش أن يتحول إلى مليشيا خاصة بالتنظيم. ومن يراجع ميزانيات نظام الإنقاذ سيجد أن مخصصات العسكر والأمن كانت تبتلع الميزانية، ولا تُبقي للبنى التحتية، أو لقطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي، أو  للخدمات مثل الصحة والتعليم سوى الفتات.

 

(موارد الدولة في قاع البئر)

خذ ميزانية عام واحد على سبيل المثال. في نوفمبر عام 2013 أجاز مجلس الوزراء موجهات موازنة 2014 والتي استهدفت كما ورد فيها: تحقيق الاستقرار الاقتصادي، زيادة الإنتاج والإنتاجية، تنمية الموارد، تحقيق العدالة الاجتماعية،  تحقيق الحكم الراشد وبناء القدرات. فهل عبرت أرقام مشروع موازنة 2014 عن هذه الأهداف؟ وهل عملت على تحقيقها ؟.

لقد بلغ إجمالي الإيرادات والمنح المتوقعة خلال عام 2014(46.2) مليار جنيه بزيادة قدرها 42% . أما في تفاصيلها فقد عبرت عن جوهرها بزيادة الضرائب علي السلع والخدمات بنسبة 44% وعلي التجارة بنسبة 23% بينما زادت الضرائب علي الدخل والأرباح بنسبة 7% فقط. 

نظرة طائر يمكن أن تريك البئر الذي كان يبتلع في قاعه ميزانية الدولة إذا ألقيت نظرة على الإنفاق الحكومي. حيث قدر حينها الإنفاق العام بحوالي (58.2 مليار) جنيه، أي أن عجز الميزانية الكلي يبلغ (12 مليار) جنيه.

وهذا الإنفاق يكشف لك في تفاصيله ما نعنيه بوضوح:

لقد حصل قطاع الدفاع والأمن والشرطة علي (11.5 مليار) جنيه في 2014، بينما كان في عام 2013 (8.5 مليار) جنيه. وداخل هذا القطاع حصل جهاز الأمن علي (2.2 مليار) جنيه، بينما كان نصيبه في 2013 (1.45 مليار) جنيه.

وبخلاف اعتمادات الأمن والدفاع المذكورة آنفاً فقد حصل هذا القطاع أيضاً  علي أموال تحت بند القطاع المتنوع قدرها 1.36 مليار جنيه. 

وحصل قطاع الأجهزة السيادية علي (2.2 مليار) جنيه  بدلاً عن (1.5 مليار) في 2013.

وهنالك 660 مليون جنيه وضعت تحت بند الأجور والمرتبات الممركزة، كما اعتمدت 100 مليون جنيه للانتخابات والاستفتاء و77.5 مليون للطوارئ.

بينما حصلت وزارة الثقافة علي (108 مليون) جنيه وكل المستشفيات والمراكز الصحية حصلت علي (297.1 مليون) جنيه. وحصل البحث العلمي بالجامعات (3.6 مليون) جنيه.

 أما مشروع الجزيرة فحصل علي (صفر جنيه) في موازنة التنمية. أما مشروع مكافحة الدرن والملاريا والايدز فقد حصل علي (3 مليون) جنيه فقط .

الملاحظ أن عائدات الكهرباء ليست ضمن الموازنة، ويمكنك أن تسأل: لماذا؟. وأن شركة أرياب بلغت مساهمتها في الموازنة عام 2013 (صفر جنيه) وكذا الشركة السودانية للاتصالات .

إذن لم تعبِّر الموازنة عن أي من أهدافها التي أعلنت عنها، بل تضمنت زيادة في أسعار المحروقات، زاعمه بأن هنالك دعماً للمحروقات قدره (5 مليار) وللقمح بـ(1.5مليار) جنيه (2).

ويخلص تقرير “الطريق” إلى “ وأن الدولة تنفق فيه أكثر من (13 مليار) جنيه، استنادا إلى ما ورد في الميزانية الرسمية، رغم أن الأرقام الواردة في الميزانية غير حقيقية لأنها تجاهلت التسليح والعتاد وتمويل العمليات العسكرية، مما يؤكد وجود «صرف خارج الميزانية» يذهب للإنفاق العسكري والأمني.

 

( والجيش يبتلع الدولة)

هذا التركيز الشديد على أمن النظام، مع عدم وجود رؤية أو حتى إرادة سياسية لحل النزاعات الداخلية والتي هي في أصلها قضايا سياسية، جعل من مؤسستي الجيش والأمن “دولة داخل الدولة”.

أما ما حدث بعد الثورة والإطاحة بالبنية الفوقية، أو قل الصف الإسلاموي الأول القح من تطور وتداعيات، تحول نتيجة له أن أيصبح الجيش هو الدولة.

أصبح السودان دولة الجيش والمؤسسات الأمنية. وهذا ما عنيناه في مقال سابق بتحول أو انقلاب المعادلة، من “جيش الدولة” إلى “دولة الجيش”.

كيف ، ولماذا ؟!.

في دولة الإنقاذ الإسلاموية الشمولية منذ لحظة الانقلاب كانت السلطة مزدوجة، يتقاسمها مناصفة المدنيون من أعضاء التنظيم ويمثلون القيادة الروحية والفكرية، ومن ما يمكنك أن تسميهم العسكر المتأسلمون. وقد تم تنفيذ الانقلاب بإذن وأومر من قيادة التنظيم المدنية لضباطهم في الجيش. 

أما بعد المفاصلة التي استعرت معاركها العسكري والزعيم الروحي منذ 1998، وأدت إلى إقصاء الترابي من السلطة عام 1999، وانتهت عام 2000 بتكوينه حزب المؤتمر الشعبي، فقد رجحت كفة العسكري في السيطرة على السلطة. إلا أن ذلك لم يرفع الغطاء الأيديولوجي الإسلاموي – الذي يحتاجه العسكري – عن  النظام. إذ لم يقطع البشير شعرة نظامه بالكتلة الإسلاموية بعد أن انشقت نصفين فقد أبقى البشير القيادات التنظيمية التي انحازت للسلطة وتنكرت للفكرة وعرابها التاريخي. كما أبقى على الهياكل التنظيمية للحركة الإسلامية، بعد أن أصبح هو القائد الفعلي لحزب المؤتمر الوطني والحركة.

لقد أصبحت السلطة بعد المفاصلة في يد البشير الذي ازداد تقاربه مع المؤسسة العسكرية، ولكن النظام لم يصبح عسكرياً خالصاً، كما لم يعد إسلاموياً خالصاً.

وأصبحت القيادات التنظيمية التي تقلدت مناصب تنفيذية من أمثال علي عثمان، ونافع، وقوش وغيرهم مراكز قوى، فاحشو الثراء، ولهم أتباع ومليشيات مسلحة تدين بالولاء لهم. 

ولم يعد أمام البشير رئيس العصاية سوى أن ينشئ ميلشياته هو الآخر – في هذه الزحمة من المليشيات المسلحة الخاصة – فكانت مليشيا الجنجويد/ الدعم السريع و”حميدتي لحمايتي” كما أعلن بلسانه !!. 

وهكذا عجت الدولة بتنظيمات مسلحة متعددة الولاءات، لا تخضع لسلطة مركزية تقات من الخزينة العامة المنهكة.

 

(لجنة إنقاذ الإنقاذ تُحكِم قبضتها)

وباغتت الثورة الشعبية الجميع. وارتبكت صفوف هذه الجيوش بما جعلها عاجزة لأنها منذ البدء لم تكن متحدة، بل كانت متعددة مصادر القرار، فأصيبت بالعجز.

في هذه (الجوطة) المربكة التي أحدثها الثوار في المشهد، لم تكن بين يدي لجنة البشير الأمنية هناك من قوة متوحدة متماسكة تستطيع التصدي لمواجهة الطوفان الثوري، سوى الجيش والدعم السريع والشرطة وجهاز الأمن وقوشه. تم توحيدها تحت قيادة ابن عوف، ثم البرهان، تحت ضغط الثوار.

بقية القصة باتت معروفة. حيث تم تشكيل مجلس لإنقاذ سلطة الإنقاذ من هذا المكون الذي تبلور، إلا أن حميدتي فيما يشاع كان وراء ضم قوش لمجلس الإنقاذ الجديد، فتم استبعاده، وتم ضم قوات أمنه ذات السمعة السيئة للمجلس. وهذا ما يفسر تمردها فيما بعد والذي قد يكون بإيعاز منه، خاصة ما وضعنا في الاعتبار أن كل واحدة من هذه الوحدات كانت تدين بالولاء لـ”شخص” قائدها، جرياً على ما رسَّخه نهج الإسلامويين في تفتيت مؤسسات الدولة، حيث يكون ولاء القاعدة، لصاحب الولاء التنظيمي في المؤسسة. تماماً مثل ولاء أفراد خلية “الأسرة” التنظيمية لأميرها الذي عينه التنظيم.

وهذا النهج التنظيمي من أعمق وأسوأ ما زرعه ورسخه حكم الكيزان في أجهزة إدارة الدولة.

وهو واحد من الأمراض المزمنة التي ينبغي على المختصين في استراتيجيات إدارة الدولة أن يولوها اهتماهم الخاص، ليس لتداعياتها على مؤسسات الخدمة المدنية فقط، وإنما في كل مؤسسات الدولة، وفي ثقافة العمل العام وأدبياته.

على كل حال.

لقد استقرت مفاتيح السلطة العسكرية والأمنية بيد لجنة البشير الأمنية بعد محاولة انقلابها عن طريق مجزرة فض الاعتصام التي فشلت في إعادة عقارب الساعة للوراء بعد أن أجهضتها مليونيات 30 سبتمبر 2019. فشرعت عبر الثغرات في الوثيقة الدستورية في إنفاذ مخططها عبر مختلف الوسائل، بزرع الألغام في ملفات التغيير ومفاصل قرارات تنفيذها المؤسسية.

وسنتناولها تباعاً بمشيئة الله.     

 

هوامش ومصادر

(1) إني أرى شجراً يمشي، صحيفة المواكب، وصحيفتي سودانايل والراكوبة الإلكترونيتين، الأحد 12 يوليو 2021

https://sudanile.com/archives/141642

https://www.alrakoba.net/31587203

(2) مراجع السودان: خيانة أمانة وإعتداءات بالجملة على المال العام، تقارير،

الطريق، مايو 16, 2017 8:42

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق