أعمدة صحفية

معادلات

علي يس   

       كتاب الجاحظ :

في البُخل أم في الإقتصاد؟؟

        كلما ذكرتُ كتاب “البخلاء” للجاحظ ، بدا لي أن هذا الرجُل يتحمَّلُ جزءاً  كبيراً من مسؤوليّة تدمير الإقتصاد العربي منذ قديم الزمان ، فهذا الأديب الضخم ، ذو البصيرة النافذة – الناقدة ، والروح المرحة الساخرة ، والموهبة الفذة في تطويع الكلمة واقتناص دقائق الصور ونوادر المفارقات ، هذا الفذُّ وُلِد في زمان لا يستطيعُ فيه أن يجعل السياسة موضوعاً لأدبه الساخر الجرَّاح ، فذلك كان من شأنه إزاحة الرأس عن موضعه الطبيعي بحد السيف .. وما كان بقادر على أن يوجه نقده تلقاء (المؤسسة الإجتماعية ) لأهل زمانه ، فالناسُ كانوا يتعصبون لقبائلهم وأعراقهم و مدنهم وجيرانهم وأصدقائهم وحلفائهم ، فضلاً عن أنهم كانوا يحملون السيوف في الطرقات العامة ، ويردون على الكلمات – غالباً – بالأفعال !!.. ثم ما كان بمقدور الجاحظ أن يصوب قلمه جهة أفراد معاصرين له مهما بلغ فسادهم ، لذات السبب السالف ذِكرُهُ .. فرأى ، أولاً ، أن يتقي شر البشر بالكتابة عن (الحيوان) الذي لا يثورُ لكرامته ولا يغضب لسمعته .. ثم إنهُ شرَّقَ وغَرَّبَ في الكتابة دون أن يجد ما يُشبِعُ روحهُ الساخرة ، إذ لا تكُونُ السخرية ممتعة إلا حينَ تُصَوَّب إلى أفعال البشر ، والبشر في ذلك الزمان لا يُسمحُون بمثل تلك الحماقة !! فماذا يفعلُ الجاحظُ ، إذاً ..

        لا بُدّ أن الحل جاءهُ بعد تفكير طويل ، فالله – جل شأنه – قد خلق لنا (أُناساً ماتوا منذ زمان بعيد وبقيت أسماؤهم وبعضُ أفعالهم مذكورة) ، وخلق لنا ، أيضاً ، خيالاً نستطيع أن نفترض من خلاله وجود أُناسٍ لا حقيقة لوجودهم ، وبالمواصفات التي نريد ، فلماذا لا يكتبُ الجاحظ ، إذاً ، عن أُناسٍ من هذا النوع؟

        كان نتيجة هذا التأمُّل ، كتاب “البخلاء” ، الذي استطاع أن يؤَسِّسَ – عبر التاريخ – موقفاً عربياً موحداً ، رافضاً ، ليس تجاه البخل والبخلاء، كما كان يريد الجاحظ ، بل أيضاً تجاه نظرات ومناهج اقتصادية هي غايةً في الرُقي والحكمة ، كان عيبها الوحيد أنها خطرت للجاحظ في معرض حديثه عن البخلاء ، حتى إنَّني لأظُنُّ أن الجاحظ لو كان بريئاً من “فيروس”الأدب والسخرية قبل أن يكتب كتابه هذا ، لصنَّفَ ، بدلاً عنه ، سفراً رائعاً في “الإقتصاد”..

        لما كان الجاحظ من كبار الشواهد على حكمة الحديث الشريف : (إن من البيان لسحراً) ، فقد كان على جميع الأجيال العربية التي قرأتهُ أن تخضع لهذا السحر ، وأن تتأثر برؤية الجاحظ المتطرفة للبخلاء ، إلى الحد الذي يجعله يرفضهم بخيرهم وشرهم ، وحتى أفعالهم وطرق تعاملهم التي لا تنتمي إلى صُلبِ ذلك الخُلُق الذميم ، بل يقدِرُ “أكرم الكرام” على الإفادة منها إبَّان الأزمات والكوارث الإقتصادية ، ولكن الروح البدوية المتطرفة ، التي تقبل الشيء جُملةً أو ترفضه جملةً ، جعلت العرب جميعاً ، وراء الجاحظ – بحبهم للأريحيّة والكرم – يحبون كل فعل يتمَوَّهُ برداء الكرم ولو كانَ سَفَهاً ، ويُبغِضون كل فعلٍ يختبيء تحت رداءِ البخل ، ولو كان حكمةً !!

        لو كانت المساحة تكفي ، لقدمتُ من مائدة (بخلاء الجاحظ) “روشتة” تصلح لشفاء كثير من مؤسساتنا العامة والخاصة من ذلك الداء الذي يجعلها تلبس مِعطَفاً فاخراً وربطة عنق أنيقة ، بينما تدعُ نصفها الأسفل عارياً (لضعف الموارد)!!

        أتمنَّى أن يٌفرضَ على كل مسؤول بمؤسسات الدولة ، أن يقرأ كتاب “البخلاء” للجاحظ مائة مرة ، قبل أن يتم تعيينه في موقع قيادي ، على أن يتم إفهامه أن قراءة الكتاب ليس لإمتاع نفسه بطرائف الجاحظ ، بل لتعلّم مناهج أقتصادية غاية في الحكمة ، لا عيب فيها إلا كونها صدرت عن إناس اتهمهم الجاحظ بالبخل!!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق