أعمدة صحفية

العباقرة لا يموتون..!

 

* شاهدته في منتدى (المساء) بالخرطوم ذات عام مضى.. تداخل الحديث بيننا وتنوّع ــ على قِصرِه ــ في موضوعات متفرقة.. كم كان متواضعاً وحفياً بالوجوه رغم زحامه.. شفيفاً كالماء.. يمنحك وجوده غبطة بحسنِ الخلق.. ولا عجب؛ فهو القائل:

ربِّ لا ترهن قوانا لعقلٍ من غرورٍ يحيفُ أو يستهين حين تعمى القلوبُ عن قبس الحق غروراً ماذا تفيدُ العيون؟

* (تونّستُ) مع الهادي آدم في (بواكير 2006).. أو.. ثرثرتُ بصحبته قليلاً بحساب الوقت المسروق، فأحسست بأن الوطن كم هو جميل بأمثاله:

إن الجمال غريزة حرّى

تجيش بها المشاعر

يقوى ويضعف أسرها

ما بين إنسان وآخر

* هي أشعاره ــ هكذا ــ سهلة للقلب.. والمتابع لها ما بين خفوتها وقوّتها يلحظ التنوع في موضوعاتها؛ ويفطن إلى أنه أمام روح إنسانية متأثرة بما حولها؛ لا تهدأ هواجسها وتفاعلاتها مع كل حدثٍ وجمال! فالومضات الإنسانية وردت في العشرات من قصائده؛ وتشبّع كثيرها بحِكمٍ أوجدتها خبرات الحياة، وأزمنة الشاعر فوق التراب والأرصفة والمدن التي مشى فيها:

كشفت لي الحياة عن كل سرِّ

فهي تفضي إلى ما ليس يفضَى

وهبتني اللُّبابَ إذ منحت غيري قشوراً

رفضتها الأمس رفضَا

رُبَّ غرٍ رأى الأمورَ كما تبدو لعينيهِ

فاستراح وأغضى

غير إني أقلِّب الأمرَ

حتى أدرك الحق في مداه فأرضى

بتُّ لا أمقتُ الصديق إذا جار

ولا أشتكي إذا الدّهرُ عضّا

لو درى المشتكي لأودعَ شكواه الفيافي

فأكثر الناس مرضَى..!

رُبَّ من حسبته ناعم البال

قضى العمر ليس يَطْعَمُ غَمْضا

وخليٍّ عن الهموم تباكى

راكضاً في قوافل الهمِّ ركضا

* قصيدة (تجارب) من صميمات سن الحِكمة؛ فقد استكانت ثورات الصبا لدى الشاعر؛ صار يحدِّق في أبواب النفسِ طويلاً، مستمداً عناصر “قوته الجديدة” من إيمانه بالحق وشمسه التي لا تغرب إلاّ لتفاجئنا بشعاع يغمر الآفاق مهما تجاسرت أنفاق العتمة:

شُغِل الناس بالصغار فراحوا

يقتل البعض في الصغائر بعضا

وإذا الباطل استطال وألوى؛ في عنادٍ

واصبح الأمر فوضى

لا تضيق بالحياة؛ فالسحب لا يحجبن شمساً

ولسن يخفين ومضا

إن للحق قوّة ذات حدٍ

من شبَاة الرّدى أدق وأمضى

فليستلهم القارئ ما يشاء من براح التسامح والحُسن في أشعار الهادي آدم.. الشاعر والمُربّي.. ففي ديوانه الباكر (كوخ الأشواق) تسري إيماضات تنهل من ذات الأمكنة والمشاعر (الحنينة) الدفيئة:

أنا لا أذمُّ الناس مهما أسرفوا فيما يُشين

أنّى تذُمّهم؛ وتعلم أنهم ماءٌ وطين

جُبلوا على حب البقاء فكان داؤهم الدفين

ولعلهم لولا ابتغاء الحرص في ما يبتغون

كانوا ملائكة تجلُّ عن النقائص والظنون

أنا “منهمو” بل كيف ما كانوا أكون

من أجل ذلك صِرت أغفر للبرية أجمعين

رحم الله شاعرنا الهادي آدم (1927 ــ 2006).. نتذكره في نوفمبر شهر رحيله.. نحِسُّ بانتقاص المنابع الطيبة كلما استشعرنا الفقد.. وتبقى آثاره (هادياً) للأجيال عبر الحقب؛ مهما ازدرت الحياة بالجحود والنسيان.. فالعباقرة لا يموتون..! أو كما تقول أبياته الخالدة:

بعض أهل الحياة موتى وإن كانوا يروحون جيئة وذهابا ومن الناس خالدون وإن زالوا حضورٌ؛ وإن أطالوا الغيابا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق