أعمدة صحفية

خط الإستواء

(إنت شيوعي يا زول)..؟

عبد الله الشيخ

 

عاصِفة اللَّحظات البطيئة في يوليو 1971م مهرُت بالدّم، ومع ذلك لم تخلو من ابتسامات مريرة.

أشهر البرقيات التي طالبت الرفيق هاشم العطا ب (الضرب بيدِ من حديد)، أرسلها منشِّد الثورة. وردت البرقية للإذاعة مزيّلة باسم الفنان إدريس ابراهيم، ولعل التكفير عن تلك البرقية دفعه إلى الإيغال في غابة نشيد كثيفة تأييداً للنميري، فلم يكتفِ ب (تِحسبو لِعب) التي قيلت في مدح ضربة الجزيرة أبا، بل تعدّاها إلى طمْبَرة بِنت أُمّها، جاءت بعنوان: (تسلم مايو لينا وليكَ تسلم)!

حُشر أصحاب برقيات التأييد ضُحى، بعد أن (لقّطوهم بالمُنقاش) من كل أنحاء السودان. راجعَ البوليس ورجال الاستخبارات نصوصاً كان يحتوي بعضها على تأييد عفوي، وتلك عوايد السودانيين الذين يؤمنون أن تغيير الحُكُم رحمة.. وبعضها – بالتأكيد – كان يعبّر عن تيار أحمر  يؤيد عشا البايتات.

قطاع لا بأس به من أصدقاء الحزب كتبوا: (نؤيدكم ونشد من أزركم)..

وكم للسودانيين مِن شوقٍ جارف نحو التغيير.

شيخ الخير، القيادي باتحاد المزارعين والمعروف للنميري، أرسل برقية تأييد لهاشم العطا.. وعندما زار النميري سجن مدني عاتبَ شيخ الخير، وذكّره بأنه أرسل برقية (طول كِدا) مشيراً لكفه، فما كان من شيخ الخير إلا أن صححه، أن برقيته كانت طول كِدا، رافعاً ذراعه بطولها!

كان (يوم العودة العظيم) هو شعار الانتصار على يسارٍ تورَّط في معركة غير متكافئة، فذهبت أحلامه عجْلَى مع زيفة الخريف، لكن تدفُّق برقيات التأييد لعشا البايتات أثبَّت للنميري حقيقة أن اليسار تيار جارِف يحفر عميقاً في الوجدان الشعبي..

تدافع السيل منذ البيان الأول حتى ساعة الرِّدة،، وبعض تلك البرقيات وصلت محطّتها الأخيرة بعد انكسار (قزازة السَّمِنْ)!

بعض البرقيات وصلت في ساعةً الغُمّة حين كان الشهداء في مهرجان المشانق.

من الأسيّات الكبيرة في 19 يوليو أن  هاشم ورفاقه لم يكن لديهم متسع كي يقرأوا التهاني، فانتقلوا على عجلٍ الى مشهدهم المثير، ليحدِّثوا جلّاديهم – بيان بالعمل – عن كيف يموت الرجال.

لمْلمَ الشعبُ جِراحه..

و..

ضحِك (أبْعَاج) أخيراً بعد هوجة غضب.. قال له صاحِب برقية التأييد الطويلة تلك أنه كتبها (شَلَاقة) مِنّو ساكِت!!

برقية طويلة عريضة في تأييد الرِّفاق استوقفت لجنة الفرز.

تلك البرقية رُفعت للنميري ضمن التقرير، فاصدر أمراً بمثول صاحبها أمامه في مكتبه بالقيادة العامة..

هناك دار الحوار التالي بين النميري و صاحب البرقية:

إنت من عطبرة؟

لا.

–  إنت شيوعي يازول؟

لا.

عسكري؟

لا.

طيب، الكلام الكتير الكاتبو ده شنو؟

والله يا ريِّس دي (….) مِنِّي سَاكِتْ!

انقشعت العاصفة لكنّها اقتلعت شجراً صندلياً، وفتحت أبواباً على صحارى الجفا، فتعري ما اختبأَ في حديقة المساء.. ( يا أيُّها الطيْفُ مُنْفلِتاً مِنْ عُصُورِ الرَّتَابِةِ والمسْخِ.. مَاذا وراءك في كتب الرمل، ماذا أمامك في كتب الغيم؟ إلاّ الشموس التي هبطت في المحيطات، والكائنات التى انحدرت في الظّلام، وامتلاُؤك بالدَّمْعِ حتَّى تراكمت تحت تُراب الكلام).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق