أعمدة صحفية

الطب النفسي والمجتمع

يوميات طبيب نفسي

د. معزة حسن عامر

أي اختلال في علاقة الشخص بذاته أو بالآخرين أو سلوك يتكرر بشكل يعوق حياة المرء، أمر يستحق الذهاب إلى طبيب نفسي.

لكن هل يعني ذلك أن كلنا، بدرجة أو أخرى، مرضى نفسيون؟

يعتمد العلاج السلوكي المعرفي مثلا على تحديد أنماط التفكير الخطأ وعلاجها.  لكنه كذلك يُذكِّرنا بأن التشوهات المعرفية، وارتباك قدرتنا على الإدراك، أمور تحدث لنا كأناس طبيعيين. وبالمثل، تعتمد المدرسة التحليلية على تحديد الدفاعات النفسية المتكررة، لكنها لا تحرمنا من هذه الدفاعات كأفراد عاديين.
لذلك، فإن مفهوم الاعتلال في مدارس العلاج النفسي يتعلق بتكرار نمط معرفي لدرجة اختلال الوظيفة، ما يتفق مع تعريف الصحة النفسية بوجه عام.

ربما لا يعاني الشخص من مشكلة واضحة خطيرة تستوجب التعامل المباشر. لكنه على الناحية الأخرى، يعاني من مزاج سيئ لمدة أطول من اللازم، أو إحساس بعدم الجدوى وفقدان الاستمتاع بأنشطة كانت تجلب السعادة فيما مضى.

الأمثلة كذلك تشمل تشوُّهًا في صورة المرء عن نفسه، أن يتصور نفسه مثلًا أنحف أو أكثر بدانة مما هو عليه، أو أن يحدث اضطراب في علاقته بشريكه أو أهله بصورة يصعب حلُّها.

أفكار مثل الرغبة في إيذاء النفس أو الآخرين، أو الانشغال بنظافة الأشياء بصورة متكررة ومعيقة للحياة اليومية.

لا يُصدِر الطبيب النفسي أحكامًا مباشرة. ليس دوره أن يقول لك صَلِّ أو انفصل عن حبيبتك، بل ينبهك إلى البقعة العمياء في إدراكك لذاتك.

تقول لي عميلة في نهاية الجلسة: «إذًا، هل أطلب الطلاق من زوجي؟».

أنزعج. أسأل نفسي: هل ضغطت أكثر من اللازم في اتجاه معين؟ هل أوحيت لها بمسار ما يجب عليها أن تأخذه؟

هل أشعر بالإحباط لأن توقعاتها مني تختلف عما أفعله وما تقدمه مهنتي؟ أو أنني منزعجة لأنني غير مفهومة ويقدِّمني المجتمع دائمًا في صورة «حلَّال المشاكل»؟

أقرأ على فيسبوك ما تحكيه فتاة عن تجربتها مع طبيبها النفسي. تقول إنها شعرت بأنه «يحكُم عليها» ويوجهها. أنزعج أيضًا.

هل أخطأ الطبيب، أم إن توقعات الفتاة مصدر إحباطها؟

الطب النفسي تخصص يتصل بجميع مفاصل المجتمع. فكثيرا ما تجد أن رأى الطبيب النفسي مطلوب في قضايا المجتمع وظواهره. فاذا وقعت الجريمة فأين رأي الطب النفسي واذا انتشرت ظاهرة فبما يفسرها الطب النفسي واذا اردنا ان نبحث في آثر ثورة الاتصالات على المجتمع فما هي الانعكاسات النفسية . واذا مالت السيدات للإسراف في شراء فلا بد أن هناك أسبابا نفسيه  .

تتماهي الحدود الفاصلة في الوعي الشعبي العام بين عيادات الاطباء النفسيين ومراكز الاستشارات النفسية والسلوكية ومراكز التنمية البشرية فمتي يذهب الشاكي لكل منها؟ يفضل ان تقصد مراكز الاستشارات النفسية لطلب مشورة في المسائل الحياتية الفنية مثل مشكلات الزواج والطلاق وصدمات الفقد والوفاة وماشابه ذلك .

لحد بعيد نخاف المرض ربما لأنه ضعفنا أضعافا واذ المرض “العضوي” نفسه علينا فيجبرنا علي الاعتراف به وبحث سبل علاجه نواجه المرض النفسي بكل طاقة الخوف المكنونة بداخلنا والتي تترجم لقوة رافضة ومناهضة له بل ومتنصلة من وجوده . ومع ذلك ، لا يتوانى المرض النفسي ولا يتوارى  عن فرض تأثيره حتى يصل به الامر أحيانا لإزهاق الارواح . بحسب منظمة الصحة العالمية ينتحر حوالي 900الف شخص في العالم سنويا ، اكثر من نصف الحالات تقع في الفئات العمرية بين 15و44 سنة ،وتسجل الاضرابات النفسية كأحد أبرز أسباب الانتحار وأكثرها قابلية للمعالجة ،فيما يحرمنا الجهل و وصمة العار التي ترافق المرض النفسي (الطبيب النفسي دكتور مجانين) وما زال المريض النفسي في منظور قطاعات اجتماعية واسعة .هو ذاك (المجنون) ضعيف القدرات الذي تعتزله الناس وتخافه . ان الجهل يمثل حجر عثرة عتيدا في طريق الصحة النفسية أذ كثيرا ما تصنف السلوكيات السالبة للمريض النفسي على أنها (قلة أدب) لذلك تواجه من قبل أسرته ومقربيه بالسعي الدؤوب للردع العنيف والاستنكار المتعالي (والله ولدي او بتي ادوها عين) كذلك كثيرا ما يستهلك المريض النفسي في وصفات الدجالين التي تلخص شكوي المريض علي انها محض “مس شيطاني”

ان الوعي النفسي يمثل خطوة فارقة في مجابهة الامراض النفسية بل حتي الامراض العضوية قد يزيد الوعي الصحي بها في فرص تجنبها .

ان البيئة التي نعيش بها والممتلئة عن اخرها بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية والشخصية ،تمثل مرتعا خصبا لنمو العلل النفسية ولا بديل عن الوعي النفسي ليجد كل فرد في محيطه من يعينه علي التجاوز ،فلا تتحول كل المشاكل عارضة بالتراكم لمرض نفسي يتطلب المشورة الطبية .

منذ بضع سنوات ، إثر فقد عزيز عليّ سقطت في نوبة اكتئاب حادة بعثرت كياني وشتت وجودي ،فشرد ذهني وقتها ليتساءل عما لم أفكر به من قبل ، ومن عتمة السواد بعيني وتغلغله في نفسي ،لم أبصر أي جواب . كانت أكثر محاولات انتشالي من هول حزني ومعاناتي .(عنيفة) ترنو بغلظة لانتزاع إرادة المقاومة بداخلي ، عنوة واغتصابا شعرت حينها بكم العنف والرفض الذي يستنبطه المجتمع تجاه أي اضراب نفسي حتي وان كان موضوعيا وله ما “يبرره” (ما لا يعني إدانة سواه!) رأيت كيف نعيد تأويل وتوظيف الحكم والامثال والنصوص الدينية في كل موقف لنستمد منها السند النفسي والطبطبة الروحية . هكذا ببساطة تغالب التناقض نردد: “النار لا تصيب المؤمن ” وإن حدث “فالمومن مصاب” مالا يعني بالقطع أن كلنا مرضي ، فلا يعد مريضا نفسيا إلا ذلك الذي يفقد او تضعف لدية القدرة علي التكيف مع ضغوط الحياة بما يصعبها لدرجة غير محتمله.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق