أعمدة صحفية

صالِح الضي.. شهقة في الرحيل..!

* الطيور التي ألِفناها تدندِن قد خبرنا أشجانها.. لكن شجن هذا المغني تسامَى على التشبيه؛ فافترضنا أنه طائر بلا اسم حتى نحفظ للعنادل تواضعها.. وكلما سمعنا صوته الدافي (الأليف) هفا متسللاً في رعشتنا عبر أثير غناء عذب ومُعَذِّب سكب فيه وداً وشجى غيرعادي، فيسوقنا الحنين سوقاً ملتمسين حضوره على الروح..! أو تضنينا مسافات الخيال في عبور عوالِمه.. بينما عصافيره (تبْحَتُ) أعماقنا؛ ترفرف ولا ترتحل..!

* هو صالح الضي (1936 ــ 28 يوليو 1985).. ملاك أخذته لجة الغياب؛ فظل بيننا شاهقاً في خلود ألحانه.. إذ سار ركب الغناء منذ أن أغمض عينيه مردداً أعماله بلا انقطاع ودون أن تتكرر بصمته الأصيلة… فرضت موهبته العالية وجودها رغم دخول الغناء لمنعطفات جديدة مثلتها أجيال تلت وبذوق مختلف.. فما هو سر عبقرية صالح الضي..؟!

* سألت الفنان العظيم محمد وردي عن شهاداته في مطربين كثر؛ وحين جاء زمن شهادته على الملهم صالح الضي صمت (بانبساط) قبل أن ينفرد بعمق خاص وهو يحلل عبقريته.. كان الوقت في شتاء 2006م.. استفاض وردي في تحليل انجذاب الأجيال لأغنيات الضي قائلاً: إن سر عبقريته يكمن في أن صوته (متوسط..!).. إزداد انشراحه بصمت ثانٍ قبل أن يضيف: من الصعوبة بمكان أن يخلد فنان بصوت متوسط إن لم يكن عبقرياً.. وخصوصية هذا الصوت نادرة؛ استطاع أن يوظفه بأبدع ما يكون..!

إذن (قوة) الصوت ــ كما فهمت من وردي لا تصنع فناناً وليست شرطاً في الخلود.

* استرجعتُ قسمات وردي في لحظة تجلي؛ وحملتني الذكرى للتأمل مجدداً في (سر العبقرية) فوجدته كامناً في لحن بديع لا تردده المدينة التي فتنتها (الخِفّة):

وسأنساك وأنسى ما مضى من موعدي

وستجلو ذكريات للهــوى عـن خـَــلَدي

وسأنســاها.. وأنســــــى ذكرهـــا للأبد

وإذا ما لُحْــتِ في يوم بدربي

سوف لا أهفو ولا يخفق قلبي

وسأمضي لا أبالي، برجــاء أو نداء

وستبقين على الدربِ تثيرين الرِثاء

* هي أغنية (سلوان) للشاعر خليفة الصادق، تجلى صالح الضي كما لم يتجلى في (فصيح) قبلها.. فرغم احتلال كافة أغنياته المضيئة والمعروفة لوجدان الشعب؛ إلاّ أن سلوان بحاجة إلى (ضمير مختلف) وربما هذا سر غيابها في مواقيت إنحسار الذوق الآن..! واختلاف هذه الأغنية عن سائر أغنياته يفصح بنبرة فيها (متمردة) ولحنٍ رزين حزين؛ وكبرياء لم يتوافر في نصوص عَلَت شهرتها لدى صالح الضي:

سوف أنساك

وأنسى كل شيء عن هَوَانا

* كل الخشية أن يكون بعث هذه الأغنية (الغائبة الحاضرة) مدعاة لتخريبها بصوت (أحدهم).. وقد رأينا كثير من المُغنين يشوهون ألحاناً حسناوات لصالح الضي بالأخطاء؛ أو بعشوائية حناجرهم..!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *