أعمدة صحفية

تلعب شطرنج؟!!

علي يس

علي يس
تلعب شطرنج؟!!
* فوجئت بخارطة وجهه المألوف، وهي تتحول «دراماتيكياً» من حال التجهم والقلق، إلى ضحكةٍ بهيجةٍ ماجنةٍ،مشفوعةٍ بشتائم، بلهجته النوبية الساخرة، التي لم تفلح إقامة خمسين عاماً بالعاصمة،في تعديلها: -  هو ده إنت يا سجم؟! لا إله إلا الله!!
* وكما فوجئ بي المهندس”دهب”، الذي يزحف نحو السبعين، فقد فوجئت أنا به أيضاً، فبادلته ما تيسر من شتائم،متسائلاً:
– الجابك شنو يا خُردة؟!
– الجابني شنو؟ ترسل لي إستدعاء مع بوليس وتقول لي الجابك شنو؟
*  كان رئيس قطاع «الشركات الخاصة» بإدارة الضرائب قد شكا إليَّ من «شركة الحصان للإنشاءات» التي تتراكم الضرائب عليها، ويتهرب مديرها،فوجهته باستدعائه فوراً، دون أن أعلم أن العم «دهب» قد غير اسم شركته من “الطابية”إلى “الحصان”.
* * *                                               *  أول عهدي بالمهندس «دهب» مدير عام شركة “الطابية”للإنشاءات، كان قبل ثلاثين سنة، كنت حديث التخرج، مبهدلاً من كثرة السعي الفاشل بحثاً عن وظيفة.. وقفت أمامه يومها، متلعثماً، أحاول اصطناع الرزانة وأنا أقدم إليه نفسي:  – عبد الله حسنين.. بكالريوس محاسبة بدرجة ممتاز.. وخبرة ثلاث سنوات في العطالة… و…
* قاطعني بعد أن قام بتنحية أوراقي التي وضعتها أمامه جانباً،قائلاً لي بلهجة لم أستطع أن أتبين جدها من هزلها:
–  تلعب شطرنج؟
– آآ..
– السؤال واضح.. بتعرف تلعب شطرنج؟
– ليه؟!
– جاوبني وبس!!
– نعم..بعرف..
–  جميل.. تلعب معاي «قيم» شطرنج… إذا غلبتني حأعينك.. ولو غلبتك تتكل على الله..
* ولم يمهلنِي، إذ أخرج من تحت منضدة مكتبه رقعة شطرنج وشرع في رص القطع عليها..
* واستمر اللعب بيننا زهاء ثلاث ساعات، اكتشفت خلالها أن هذاالمجنون بارع جداً في هذه اللعبة، واندهشت كثيراً حين ارتكب، في اللحظات الأخيرة،خطأ قاتلاً، مكنني من الفوز عليه.. يومها سعدت بسماع أولى شتائمه: -  قوم استلم شغلك.. بلا يخمَّك!!
* وبعد تعييني محاسباً بشركة «الطابية» بأيام قلائل، اكتشفت انه لا أحد في هذه الشركة قد تم تعيينه وفقاً لشهاداته أو مؤهلاته.. جميع الموظفين ما بين الخفير ونائب المدير، كانت مؤهلاتهم انهم هزموا المدير في الشطرنج!!.. ومع ذلك فقد كانت الشركة ناجحة، لولا أن المدير كان يبدد أرباحها بطريقة غريبة.. كان يوظف بالشركة عشرة أضعاف ما تحتاجه من موظفين وعاملين، وكان يقسم أرباح شركته الطائلة على جيش الموظفين هذا، بالتساوي!! وكان ينسى في هذه القسمة -دائماً- إدارةالضرائب.
*  *  *                                 * بعد عشر سنوات، جاءني يوماً ليقول لي، بلا مقدمات:
– رفتناك!!
* وحين رأى دهشتي، سحب كرسياً وقال لي بصوت ودود:
– إسمع.. لم أعد أستطيع تعيين موظفين زيادة في هذه الشركة.. جاءني شاب يحمل بكلاريوس محاسبة، والده مشلول وأسرته كبيرة وفقيرة، وقد هزمني -التافه- في دور شطرنج، ولا بد من تعيينه.. وأنت، ما شاء الله، أصبحت تمتلك خبرة ومهارة تتيح لك ايجاد وظيفة محترمة في أي مكان..
*  لملمت أوراقي صامتاً، وهممت بالخروج، فناداني قائلاً:
– أسمع يازفت.. تعال هاك شهادة خبرة، وأمشي لي ناس الضرائب.. عندهم وظائف!! بس ما حيلعبوا معاك شطرنج، حيعملوا ليك معاينة حقيقية!!
*  كنت أعرف، وأنا أتجه إلى إدارةالضرائب، أن المهندس دهب، الذي يعاني من مشكلات كثيرة مع «ناس الضرائب» ما كان ليوجهني الى هناك، إن لم يكن واثقاً من أنني سأجد لديهم وظيفة محترمة.. وهذا ماجرى.. وبقيت هناك متنقلاً من مدينة الى أخرى، ومترقياً في وظيفتي خلال عشرين سنة،إلى أن جئت منقولاً إلى الرئاسة، أخيراً، نائباً للمدير العام.. ونسيت خلال هذه الفترة تماماً، العم دهب، حتى فوجئت به اليوم أمامي، بشتائمه الطازجة..
– أها ياسجم الرماد، بقيت نايب المدير!! هانت والله!! عايزين مني شنو؟!
–  يا باشمهندس إنت ما عارف ديون الضرائب عليك بقت كم؟
–  ما إنت عارف البير وغطاها.. أدي القروش للضرائب، واللا أديها لي أسر تعبانة ما لاقية حق الفول؟!
*  كنت أعرف أن هذا هو،بالضبط، ما يحدث، وكنت أفكر لحظتها في طريقة أستطيع أن اتجاوز بها اللوائح، وأعفي شركة «دهب» من ديونها، فلم أجد ، فقررت أن أحطم القوانين وأتحمل النتائج، ولكن بشرط واحد، قلته للمهندس دهب، بصرامة شديدة:
– تلعب شطرنج؟!
* أطلق العم دهب ضحكة مجلجلة، ثم أخرج من داخل كيس كان يحمله معه، رقعة الشطرنج وضعها على المنضدة، وطفق يرص عليها القطع..
*  في ذلك اليوم، أدركت أن العم دهب هو أخطر لاعب شطرنج عرفته،وأن جميع موظفي شركته الذين هزموه، لم يهزموه في الحقيقة، وإنما انهزم لهم بإرادته،لأنه كان يريد تعيينهم.. ولكنه، هذه المرة، لم ينهزم لي، لعب باحتراف رفيع.. قال لي وهو ينهي اللعبة بحركة مفاجئة للحصان: -  عشان كده غيّرت إسم الشركة من الطابيةللحصان.. الحصان أخطر.. مش؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق