أعمدة صحفية

معادلات

معادلات
علي يس
عن “السودانوية” والخيانة !!
** لا بأس من مخاطبة العواطف أحياناً ، في الكتابة الصحافية ، وهو أمر يندرج – إذا كان الكاتب واعياً به – في سلك ” الإعلام التعبوي” ، الذي لا يُراد به “تأكيد” حقائق ، بقدر ما يُراد به حشد عواطف لصالح فكرة أو قضيّة بعينها ، وهو أمر يتخذ موقعه الأخلاقي من غاياته وليس من وسائله ..
** ولكن البأس يأتي من التناول العاطفي لقضايا عقليّة بحتة ، تم حسمها علميّاً ، أو من تحريف المسلمات البدهيّة لصالح الخطاب العاطفي !!
** و أكثر من واحد من زملائنا كُتّاب الأعمدة ، من تحملهُ العواطف الحارة إلى مصادمة نواميس الطبيعة !! بل إن الكثيرين يحاولون – في الواقع – “إدارة” العقول “بوقود” عاطفي ، وهو ضرب من العبث ، يشبه أن تملأ خزان وقود سيارتك “أُمبازاً” ، أو أن تُطعم “حمار” سيادتكم “فحماً حجريّاً” !!
** وبرغم أنني – كسوداني – طربت جدّاً لتأكيد أحد الزملاء أن “السودانويّة” و “العمالة” نقيضان لا يلتقيان ، و أن السوداني – من بين جميع شعوب الأرض – هو الوحيد الذي يستحيل عليه أن يبيع وطنه !! وبرغم الأيمان المغلظة لهذا الزميل بأن قوانين التربية و تقاليد المجتمع السوداني (التي تجعل الموت نفسه واحة جميلة بإزاء بشاعة “العار”، و”العيب” عندنا ) هي مبرر إستحالة العمالة والخيانة لدى “السوداني القُح” .. برغم هذا الغزل الشفيف في الذات السودانية ، إلاّ أن القضيّة تفقد رونقها تماماً ، بمجرّد أن يقترب “العقل” من تخومها !! و نكتشف سريعاً أن علينا التمييز ما بين أحلامنا المشروعة (والجميلة) وبين “الواقع” الذي تراهُ كل الأعين …
** لو أنك سألت مصريّاً لقال لك – بلا تردد – أن المصري لا يخون بلده .. ولو أنك سألت عراقيّاً أو تشاديّاً أو فرنسياً أو هنديّاً أو أي بشر على ظهر الأرض ، لأقسم لك أن أبناء أُمّته هُم أكرم و أطهر و أشرف وأسمى من مشى على الأرض، و أنهم يموتون ولا يخونون أوطانهم .. لو أنك – يا صديقي – سألت أي “عميل” على الأرض ، لشتم لك “العملاء” !! فمن أين ، يا تُرى ، يجيء كل هؤلاء العملاء والخونة ؟؟!!!
** الأمر ، يا صديقي ، أبسط كثيراً مما تظن .. قانون “العيب” لم يمنع حكومات السودان المختلفة من إنشاء المحاكم والشرطة والسجون .. ولم يمنع اللصوص و”النشالين” (الذين يحملون هويات سودانية ، ويمتون إلينا بِصِلات المواطنة والجيرة وربما القرابة ) لم يمنعهم من الوقوع في “العيب” .. ولم يمنع مئات الجرائم – التي تمس كرامة “السوداني”في الصميم – من الوقوع .. هي إذاً أُمور تحدث عندنا و في كل الدنيا ، وبين شعوب أكثر منّا كبرياء و أنفة ، ومع هذا لم نسمع أن شعباً أو حتى قبيلة ما ، مارست إنتحاراً جماعياً ، فراراً من “عار” ارتكبه بعض أفرادها !!!
** والعمالة أيضاً – يا صديقي – يمارسها “آدميون” مثلي و مثلك ، هي داءٌ يصيب البشر دون أن يسألهم عن جنسياتهم !! تستطيع أن تستعيذ بالله كما شئت من داء العمالة .. بل تستطيع ، حتى ، أن تغضب و تستحي حين تتذكر أن السوداني يُمكنهُ ، مثل سائر البشر ، أن يخون وطنه ( تماماً كما فعل قريبك “الجعلي” الذي أعلن أنهُ يكره نفسه و يستحي منها ، حين يتذكر أنّهُ – مع كبريائه و إعجابه بنفسه ، يأكل و يشرب ، ثم يُخرِجُ ما أكل وشرب مثل سائر الناس الأقل شرفاً !!!
** ولكن ، وكما أن الدنيا كلها تعج بالعملاء ، فإن السودان أيضاً ، لا ، ولن ، يخلو من عميل .
** و أنت ترى ، يا أخي ، الكثير من الكوارث التي تصيب السودان مما لا يمكنك الشك في أن وراءهُ “عمالة” ما ، لجهة أو جهاتٍ ما ، و الخيانة هي في محصلتها الأخيرة أن تحقق أجندات و مرامي آخرين يمكن تصنيفهم في خانة العدو لبلدك (و ليس ضرورياً أن يكونوا أعداء للنظام الحاكم) على حساب مصلحة بلدك و أمتك ، و سواءً أكنت واعياً أو ذاهلاً فالفعل لا يمكن أن يسمى باسم آخر غير الخيانة ..
** و مع هذا ، يطربني جداً أن تؤكد لي أنني – كسوداني – محصّن ضد داء العمالة (الذي أصبح وباءً هذه الأيام) .. ولكن ، وحتى لا تصادم مسلمات العقل ، لا تقل أن السوداني لا يمكن أن يصبح عميلاً أو يخون ، بل قُل :”إن من يسقط في درك العمالة لا يستحق الهوية السودانية التي يحملها ، وإن كان سودانياً “.. و هكذا تُشبع أشواقك العاطفية النبيلة ، دون أن تستفز نواميس الطبيعة !!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق