أعمدة صحفية

القَاتِلُ

القَاتِلُ
أنا لستُ القاتلُ الذي تبحثون عنه. تعلنون عن اسمه في الصحف وعلى الحوائط المنسية في أزقة المبصرين. لست ذلك الذي قال عنه المذياع في نشرته الثالثة: مطلوبٌ ميتا أو في صدر حبيبته او جُب الايام.
أنا القاتلُ الذي يذبح ضحيته في جهر الزمكان. يضع مديته الحاسمةَ في عنقي، ويتلو في أُذني الخائفتين آيات الفُسق ودناءة روحي ويباركني في الملكوت عبر أنهر شارون إلى ضفتها الأخرى. حياةٌ تافهةٌ لا تسوى عنت مرور المُدية في الشُريان. أنا القاتل الذي لا يُرى ولا ويُسمع ولا يُنتظر. القاتلُ الذي لا يُعلن عنه في صحائف تلفاز الموتى. أنا القاتل الذي لا يبحث عنه أحدٌ. اختبئ هنا كمعرفتى في الجهل. ومثل طوفان نوح احملني والناجين الى محرقتي. نشؤها من طمي الاجداث: الله والإنسان ونفسي.
أنا لست أنا. القاتلُ في شُريان السكين يدس تميمته. الفاعل في ما نُسي من مفعولات الجرح يئنُ. العابث فيما بين. الصابر في الجمر علىَّ. ما لا يمكن رؤيته في القول المسرور، يراه العمى جهاراً. يذوب مثل الظلمة في الضوء. القائلُ للصم. المتصورُ في وجه العُميان. الطائرُ بلا ريش وهواء. المتكلمُ في جوف الحيتان الضخمة. القاتلُ غير سلاح ولغة. المتبرجُ كالزهرةِ. الظَنُ في القول الفصل. المفعول بغير اله. ولست أنا القاتل الهارب مني: في سجني تتخلق اجنحتي وأطير الى عش في الريح قصى. من يشرب من زقزقتي او يُطَعمُ من رفرفة جناحي او يتقول فيَّ: سأقتله بالظن.
الناسُ من أصل مجهول. أنا من ثرثرة المطلق: معلون من لا يَعرفُني.
الناسُ من ظن الحيتان عن البحر. أنا من قلق الحائط قد كنت: ملعون من لا يَسجنُني.
الناسُ من وشم البارود على القلب. أنا من رعد المقتول جُبلتُ: ملعون من لا يَذبحُني.
الناسُ من الناس ومن الناس. أنا من طمى البحرُوت الأعظم: ملعون من لا يَلعقني.
الناسُ من خمر الحرف الغارق في احبار الزبر الكاذبة السُكرى: أنا من لغة الرب، ملعون من لا يَنطقني.
الناسُ من جرح الخرطوم وأمدرمان: أنا من كُرمك بوصلتي، معلون من لا يَعبدني.
الناسُ الناس الناس الناس الناس: أنا من جرحي، مبروك من يَفعلني.
كان المذياعُ يشيدُ بذاكرةِ العميان: معشوقٌ من يجهل سر المنشورِ، ويبقى في العَهر كفصل من سيرة بحار لم يشهد بحرا في كل مياه العالم غير الصحراء. كان الجمهورُ يشاهدُ مقتل أمة، يُشاهدني أُذبحُ وأَقتُلُني، ويَطاردُ غيري من لم يَقْتُل.
قد مات.
نعم: قد مات “أنا”.
ومن نُطْعِمُ جثته؟
نَسَلّْمها للسجان. قد يَلغِمها للقاتل أو يَتنبأ بِمأدبة المقتولْ. فلا تَسألني -يا ابني- كم شظيةِ غُرِسَتْ في قلبي، بل أسالني. أفكم يؤلمني نحيبُ الأرضِ المَجْرُوحةْ !!

عبد العزيز بركة ساكن
سالفلدن 7-7-2016

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق