أعمدة صحفية

معادلات

علي يس

الإلحاد .. مرحلةٌ في الطريق إلى الله

(1) السلفيّة في الحياة :
أحد أفدح المصطلحات دلالة في تاريخ المجتمعات المسلمة هو مصطلح (السلفيّة) .. و هذا المصطلح تمّ إقحامه في أمر الدين مع سبق الإصرار و الترصُّد السياسي، ليشكل لاحقاً غطاءً لجوجاً لثقافة (القهر) ، حين جعل كل تمرُّد على عباءة “الأجداد” بدعةً ، و كل مناقشة لما نُسِبَ إلى الأسلاف ، من قولٍ أو فعل ، ضلالة ، و كل جنوحٍ إلى الاستهداء بالعقل (زندقة)..
و لا تقتصر الدلالات المهولة لهذا المصطلح على الفضاء الديني فحسب ، بل تتجاوزه إلى فضاءات الثقافة و الاجتماع و الاقتصاد ، و قبل ذلك كله ، السياسة .. و هنا مربط (حمارنا) التاريخي الحرون ، الذي مايزال واقفاً بنا في (العقبة)..
كل إنسان (بل كل كائن حي ، في الحقيقة) يُولدُ “سلفياً” ، بكل ما تكتنزه مفردة “سلفي” من معنى لُغوي ، و لا يختلف المعنى الاصطلاحي كثيراً .. فالمعنى الشامل للسلفية – التي هي نِسبة إلى السلف = الأسلاف = الآباء و الأجداد ابتداءً من الأبوين فصاعداً ، و قد تشتملُ حتى على الإخوان الأكبر سناً – المعنى الشامل لهذه المفردة هو التمسُّك المطلق بميراث الأجداد ، و الاعتماد على عونهم و إرشادهم ، و تقليدهم نعلاً بنعل في كل ما يرتبط بالحياة ، انطلاقاً من يقين كامل بأنهم هُم الأعلم و الأرشد ، لكونهم الأكبر سناً و الأكثر خبرة بمعضلات الحياة ، و الأوفر حكمةً في التعامل مع المحيط الحيوي ..
إذاً .. يولدُ الفردُ منا وهو في كامل سلفيَّته ، يحتاج إلى “سلفه” في كل شيء ، كامل حاجاته الجسديّة و المعنوية ابتداءً من ثدي أمه و انتهاءً بهدهدتها و مداعبتها إياه لينام ، ثم يكبر الفرد فيبدأإن كان سويَّاً في جسده – بالاستغناء التدريجي عن “سلفيته” في ما يلي حاجاته الجسديَّة ، و لنا أن نتأمل هنا ، أنَّ أوّل خطوة لإخراج الطفل من سلفيَّته هذه تبدأ بـ(الفطام) .. و لنا أن نلاحظ ، بالتأمُّل الكافي ، أن فطام الطفل يمثل أقسى تجربة نفسيَّة يواجهها منذ مولده ، و لو تُرك الأمر لإرادته لما انفطم عن ثدي أمِّه .. يبدأ الطفل بعدها ، مكرهاً لا بطلاً ، في الاستغناء عن ثدي الأم ، و لكن لا يستغني عن يدها لإطعامه إلا بعد حين ، و استغناؤه عن يد أمِّه غالباً ما يجيءُ بإرادته ، خلافاً لواقعة الفطام .. ثم يقوى على الحركة و المشي فيستغني تدريجياً عمن يحمله أو يلقمه الطعام أو يسقيه ، حتى يبلغ مرحلة الاستغناء الكامل في ما يلي حاجات جسده .. و لكن يبقى سلفياً في ما يتجاوز حاجات الجسد المباشرة ، فيبدأ مرحلة الأسئلة” .. يسألُ والديه أو من يقوم مقامهما عن كل شيءٍ مما يراه أو يخطر له ، ويأخذ إجابتهما على أنها القول الفصل ، فإن كان سويَّاً نفسياً و عقلياً ، يبدأ بعد ذلك بالتدريج في الاستغناء نفسياً و (فكرياً) عن سلفيَّته ، فيناقش “الأسلاف” = والديه أو من في مقامهما = في ما لا يبدو لهُ مقنعاً من إجابات على أسئلته ..
فإن توالى تطوُّرهُ دون أن يعوقه خلل نفسي ، خرج بأسئلته إلى مناقشة قضايا أوسع من دائرة البيت ، إلى دائرة المجتمع ، عادات المجتمع و تقاليده ، معتقداته و دينه و سائر مفردات ثقافته ، فإن كان حسن الحظ و كان ينتمي إلى مجتمع متفتح ، متوازن و رشيد ، فإن الفرصة تكون متاحة أمامهُ للتخلص بالكامل من “السلفيَّة” و الإدراك المبكر لمزايا (الحُرِّيّة) و من ثم (المسؤوليّة).. و بالتالي الإسهام الكامل في تطوير فكر المجتمع و تفعيل المفيد من قيمه و تقاليده ، و تعطيل الضار منها ، و سيكون عدد “المبدعين” في هذا المجتمع قد زاد واحداً ..
أما إن كان ينتمي إلى مجتمع منغلق ، مهزوز الثقة بقيمه و معتقداته ، فإن هذا المجتمع سوف يقوم بكبحه عند أول سؤال ، و وضع الخطوط الحمراء أمامه ، و تجريم الكثير من الأسئلة البدهيّة .. حينها سوف يجد نفسه عند مفترق طريقين : الإذعان لـ (تابوهات) المجتمع و الالتزام بخطوطه الحمراء ، و بالتالي الخنوع الكامل لإملاءات المجتمع ، و هنا يتعين عليه العودة بقوّة إلى سلفيَّته الأولى ، بل و المشاركة في قمع الآخرين الذين يحاولون طرح تساؤلات كالتي سبق لهُ أن طرحها و قُمع بسببها ..
أو : التمرد على مجتمعه و انتهاك خطوطه الحمراء و التشبث بحُرِّيَّته و استقلاله ، و حينها غالباً ما يعيش غريباً منبوذاً ، أو يهجر مجتمعه إلى مجتمع آخر أكثر وعياً و انفتاحاً على الفكر و تقديراً لحرية الفكر.

يتبع ، غداً إن شاء الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق