أعمدة صحفية

معادلات

علي يس

أين صاحب الفخامةالكنَّاس ؟!

        ما الذي يجعلُ “النظافة” تبدُو طبعاً من طباع بعض المُدُن في هذه الدنيا ؟؟ وما الذي يجعلُ بعض المُدُن الأُخرى لا تستمِدُّ شخصيَّتها إلا من “قذارتها”؟؟.. وما الذي يجعلُك تعاني الحياء ، يا سيدي ، وأنت تتجوَّلُ راجلاً في طرقات عاصمتنا  أو بعض أحيائها “الراقية!!”

        يقُولُ لك البعض ، واثقاً ، أن المسألة مسألة “إمكانيات” ، وأن تلك المُدُن النظيفة ، يغسلونها ، بالصابون المعطَّر ، مرَّتين في اليوم !! وأن الخرطوم لا تملك القدرة الماليّة على إجراءٍ كهذا..

        ولكنَّك تستطيع أن تكتشف ، وأنت تتجوَّلُ في بعض العواصم الأفريقيَّة الفقيرة ، أنّ المسألة ليست هكذا ، وأن بعض الفقراء جدَّاً في هذه الدنيا ، يستطيعون ، مع فقرهم ، الإحتفاظ بمُدُنهم نظيفة !!

        وتستطيعُ بعد ذلك ، أن تتأمَّل بعض القضايا المرتبطة بصميم “ثقافتنا” الشعبيَّة ، وتربيتنا ، لتكتشف توَّاً مربط الفرس .. وأوَّل ما سوف تكتشفه في هذا الخصوص ، هو أن “عامل النظافة” السوداني ، هو شخصٌ – بالضرورة – لا يُحِبُ مهنتهُ ، ولا يحترِمُها ، وأن الآخرين أيضاً ، بما فيهم شخصك الكريم ، لا يُحبُّ مهنة “عامل النظافة” ولا يحترمها ، ولا يحترم صاحبها !!

        فإذا تذكَّرت ، من مطالعاتك الكثيفة ، في التاريخ وفي الجغرافيا ، أنَّ الحضارة ما نشأت في مدينة إلا بفضل حُبِّ أهلها لمهنهم وأعمالهم ، وافتخار كل منهُم بما يُحسِنُه ، وإذا تذكَّرت أنَّ من قواعد التربية عندنا أن يُنشَّأ المرءُ ، منذ طفولته الباكرة ، على أن يُصبح “طبيباً” أو ” مُهندساً ” ، فإذا تقاعس طُموحُه ، فلا أقلَّ من محامٍ أو قاضٍ أو موظف كبير يُشارُ إليه بالبنان .. وإذا تذكَّرت أن العمل اليدوي في ثقافتنا هُو أمرٌ يُتركُ للرجرجة والغوغاء ، وإذا رأيت بعد ذلك ،أنّهُ حتى الرجرجة والدهماء هؤلاءِ لا يسقُطُ بهم طموحهم إلى القبول بوظيفة “عامل نظافة” أو”كنَّاس” إلاَّ حين يبلغون مرحلة التسوُّل .. عندها فقط ، يا مولاي ، سوف تعرف : لماذا تظلُّ الخرطوم إحدى أقذر عواصم الدنيا؟؟

        عسيرٌ جدَّاً – بالطبع – أن تطمح إلى إعادة تربية مجتمع ، وتغيير فلسفته وثقافته كلها ، حتَّى تحصُل على “عامل نظافة” يُحِبُّ مهنتهُ ويحترمُها ، ويفخرُ بها .. وأكثرُ عُسراً من ذلك ، أن تأمل في مُجتمعٍ يعاني الإحساس “بالعار” في مدينةٍ قذرة ، وينظُرُ إلى عامل النظافة كما ينظُر الغريقُ إلى مُنقِذِه .. عسيرٌ جدَّاً هذا التغيير الجوهري ، ولكنه يظلُّ تغييراً لا بُدَّ منهُ ولا غِنى ، إذا إردنا بالفعل الإستمتاع بمُدُنٍ نظيفة ..

        الغريب ، الغريبُ جدَّاً ، هو أن الإنجليز – عندما “هربوا” من السودان ناجين بجلودهم –  كانُوا قد تركُوا في السودان منهجاً تعليمياً وتربويَّاً يُعلي من شأن النظافة ويُرسِّخ احترام شخصيَّة “الكنَّاس” لدى تلاميذ المدارس ، حتَّى إنَّ مناهج (بخت الرِّضا) وكُتُبها ظلَّت حتّى أوائل سبعينيات القرن الماضي لاتخلو – خصوصاً كتب المطالعة – من صورةٍ لرجُلٍ مهيب ، يحمِلُ مكنسةً وينظِّفُ الطرقات.. أذكُرُ شيئاً كهذا ، وأعلمُ أن هؤلاء الإنجليز أنفسهُم ظلُّوا يحتفظون بمدُنهم نظيفةً ليس لأنهم أثرياء ، ولكن لأنهم يحترمون الكناس غاية الإحترام ، ويُخاطبونه بلقب ( يا سيدي) ويرتقون بوظيفته في سلم الترقيات حتّى درجة “مستشار”

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق