تحقيقات

هذا ما فعله كوشيب..(2)

وسط دارفور: راحيل أبراهيم

حكايات هي الأشد إيلاماً ضمن سلسلة الانتهاكات التي ارتكبها كوشيب ضد الإنسانية بمنطقة دارفور ، جرائم قتل بشعة تلك التي نفذها بنفسه أمام الكثيرين, طريقته في القتل هذه جعلت بعض من شاهدوا تنفيذها بتصنيف كوشيب (الأقسي قلبا) على الإطلاق، فهو ورغم انه زعيم مليشيا وترافقه (بندقيته)اينما حل، إلا أنه لا يستخدمها على الإطلاق ودائما ما يحمل معه (فأسا – ساطورا – وسكينا) هذه الأدوات الثلاث لا تفارقه، وهي فقط ما يستخدمه في القتل، ولم يروَ عنه استخدامه طلقة بصورة مباشرة فإن أراد قتل أحدهم بالرصاص امر أحد جنوده بفعل ذلك، لكنه لا يفعل الا في حالة التحامات المعارك، ربما عند تنفيذه لمجزرة مدينتي دليج و مكجر بمحلية وادي صالح ، وبعد جمع المواطنين من قرى عديدة لاختيار جزء منهم لتنفيذ مخططه في قتل كل من يشتبه في انتمائه للحركات المسلحة كما يزعم.
أمرهم بالاستلقاء على الأرض همهم المواطن آدم عبدالرحمن (كنيف) ببعض الكلمات، وكان يجب ان يسود الصمت في الساحة إلا من صوت الرصاص، فما كان من كوشيب إلا وأن أمره بالنهوض وعاجله بضربه قاضية بفأسه، كما ذكر لنا الطاهر إبراهيم سليمان، أحد الناجين بأعجوبة من المجزرة، وقد كان القتيل بالقرب منه.

كوشيب سلبه الطفولة

بكى الشاب صبري محمد عمر، الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره الآن، وهو من منطقة (تاقي _ كيرا)، بكي منتحباً بكاءً لم تتوقف معه دموع من كان حاضراً جلستنا معه، وهو يروي المآسي التي تعرض لها، ومنذ أن كان طفلاً، ففي أحد الايام وهو ابن العاشرة حينها كان يرافق 12 من بنات عشيرته في طريقهم الى الزراعة عندما هجم عليهم كوشيب وآخرون، وتم اغتصابهن أمام عينه، ذكر لنا صبري أسمائهن بالترتيب، وكأن الحادث قد حدث أمامه قبل قليل, ومن ثم ذكر أنه وبمنطقة (قورنجي) كان ذاهباً مع والده محمد عمر الى الزراعة وكان يركب خلفه في الحمار، بينما تركب شقيقته حماراً آخر, حينما وجدهم علي كوشيب مع مليشياته هربت شقيقته واخفت نفسها خلف بعض الأشجار الكثيفة، وهرب صبري وهو لا يدري مصير والده وشقيقته، قطع حديثه ببكاء كثيف، بكى صبري حتى انتحب، ثم أكمل العم موسى الذي كان جلوساً بيننا أكمل لنا الرواية: والد صبري ضُرب وكسرت يده وتركوه يتعذب، وقاموا بالبحث عن صابر وأخته حتى يقتلوهم أمامه، وذكر موسى أنه وبعد ثلاثة أيام من البحث المضني تم العثور على صبري بين المزارع فاقداً للوعي,ثم واصل صبري حديثه وهو يعتبر الأسوأ حظا في طفولته من بين أقرانه من الذين واجهوا المآسي والتعذيب، إذ إنه أكثرهم مصادفة لعلي كوشيب، ففي أحد الأيام بينما كان في مشوار مع عمه وجدوه أمامهم , أمر الصبي بالنظر الى ما سيفعله فقام بضرب عمه بالفأس وأرداه قتيلاً، وبينما كان صبري مذهولاً بهول ما يجري قام أحد مرافقي كوشيب بإطلاق رصاصتين على صدر عمه القتيل، وقاموا بركله بالرجل حتى أصبح الجثمان كشخص مستلقٍ على بطنه، وقام الآخر بإطلاق رصاصتين بأسفل الظهر منطقة الجذع، من ثم قام آخر بتجريده من كل ملابسه وإدخال الملابس الداخلية بفمه وهو جثة هامدة، وفي أحد الأيام وعندما تم الهجوم على القرية أراد عمه الآخر أن يدخل أطفاله الصغار الى الداخل خوفاً عليهم من الرصاص الذي كان عشوائياً بالشارع, فما إن رأته المليشيات حتى قامت بإطلاق وابلٍ من الرصاص عليه، وأردته قتيلاً أمام صغاره وذهبوا، عندما بلغ صبري الثانية عشرة من عمره كان يرعى الأبقار بالقرب من القرية ومعه طفل يصغره بعامين يسمى الرشيد يوسف، في يوم ما صادفهم كوشيب ومليشياته فولوا هاربين ، لم يقوموا بمطاردتهم واكتفوا بأخذ الأبقار (225 بقرة) وتاه الطفلان أكثر من 25 يوماً، رأوا فيها أشد الأهوال، أكلوا خلالها أوراق الأشجار والحشائش، وأثناء سيرهم بلا هدف سوى النجاة من كشيب ومليشياته، وجدوا امرأة مسنة تعاني من إصابة بالغة بالرصاص في رجليها الاثنتين أخبرتهم ان المليشيات هم من فعلوا فيها هذا وتركوها حتي تموت بالجوع، ترجت الطفلين مساعدتها حاولوا ولم يفلحوا في حملها لصغر السن والإعياء التام الناجم عن السير لمسافات طويلة والجوع. دخل صبري مرة أخرى في نوبة البكاء، وأضاف بصوت متقطع كل ما أتذكر كلماتها :( يا أولادي ما تخلوني) وأتذكر أننا هربنا خوفاً من أن تكون المليشيات قريبة من مكان وجودها، يفارق النوم جفني, تمنى صبري أن يجد أحداً بعد هذه السنوات يطمئنه أن هذه المسنة قد تم إنقاذها في ذلك اليوم، بين هذه المأساة وتلك عاش صبري طفولة محفوفة بالفزع، وعدم الطمأنينة فقد شاهد عشرات عمليات القتل أمامه حتى التاريخ القريب!! ففي نهاية العام 2019م تم قتل ثلاثة أشخاص في ساحة معسكر النزوح (السلام /قارسيلا) الذي يقطنه، ثم صادف قتل اثنين في (وار) و شارع (اوردو) ثم قتل صديقه (الفاضل محمد) مؤخراً, ختم صبري حديثه المليء بالأسى والفجيعة والدموع.
إن الكثير مما تعرض له لا يستطيع حتى أن يحكيه من (فظاعته) ولا يعلم به الا الله الذي أوكل له أمره.

ذبح (انسان) في زواجه

وصل الاستبداد أوج قمته عند كوشيب، حينما تجاوز عدد المليشيات لأكثر من عشرين ألف (مسلح) من القبائل التي تم تجنيد ابنائها، ومن بعض المرتزقة والخارجين عن حكوماتهم من بعض دول الجوار، فما إن اراد احتفالا بقوته هذه إلا وأن جمع بعض المواطنين وذبح لهم احد الاشخاص (زعيم قبيلة او عمدة او أحد المشايخ) أمامهم في محاولة منه لتخويفهم حتى لا تسول لهم أنفسهم بمحاربته او بالانضمام الى التمرد المسلح ضد حكومة الإنقاذ آنذاك و التي كانت تحاربهم عبره. في أحد الأيام وعندما قرر كوشيب الزواج للمرة الثانية رفض إتمام مراسم (العرس) إلا بعد إحضار شخص يدعى (….) ذكره بالاسم، من منطقة (تنقو) وهو من قبيلة معينة، فقام بذبحه وقام بنط دمه ثلاث مرات (كما يفعل بعضهم في طقوس معينة عند ذبح الخروف في الصدقات ك(كرامة) او قربان الى الله) وكان هذا على ملأ من الحشود كما ذكر شهود عيان.

هددها برأس قتيل

تجاوزت هاجر العشرين من عمرها بقليل، عندما بدأت انتهاكات كوشيب في العام 2004م إلا أنها غادرت المنطقة تماماً بعد أن هددها كوشيب بالقتل، وسجلت مؤخراً فيديو روت فيه قصتها وبعض انتهاكات كوشيب، ولما كانت تقطن بالقرب من مستشفى قارسيلا في حي السلام درست الإسعافات الأولية حتى تساعد من يحتاج لها خصوصاً وأن المنطقة تشهد نزاعاً مستمراً , كانت هاجر تقطن مع كوشيب بذات الحي (حي السلام قارسيلا) وقد درست مع ابنته بالمدرسة، هذا يعني أنه كان يعرفها وأهلها، تحدثت عن أن إحدى جاراتها طلبت منها الذهاب الى المستشفى حيث وجود فتاتين تعانيان نزفاً من آثار الاغتصاب والطبل ب (المهبل), وعندما وصلت الى المستشفى وكان المدير الطبي آنذاك إبراهيم (ناكلو) الذي قام بتقييم الحالة الصحية لهن ووصفها بالخطيرة جداً، ويتعذر التدخل الجراحي بها، وكن يعانين من جروح العلامة ايضاً، وهو عبارة عن حرق إحداهن في أرجلها (الورك) كعلامة ان هذه تم اغتصابها والوصول إليها من قبل, تكفلت هاجر بالغيار اليومي للفتاتين مع والدتهن, روين لها ان كوشيب قد قام بقتل والدهن وعمهن بالإضافة لشقيقهن عندما حاولوا الدفاع عن شرفهن , وفي تلك الأثناء سمعت هاجر إطلاق رصاص كثيف حول المستشفى الذي تم تطويقه بعربات(تاتشر) تحمل دوشكات واسلحة كثيفة، ترجل كوشيب من إحدى العربات و أمر جنوده برفع البنات ووالدتهن وعندما حاولت هاجر باستعطافه لتركهن نادته قائلة :(يا عمي علي …) نهرها قبل أن تكمل حديثها: (انا ما عمك يا هاجر هوي) وأمر برفعها في عربة اخرى وأخذها الى منزله, وامر بحبسها وربطها وهي جاثية على ركبتيها فظلت على تلك الحالة اربع ساعات وهي لا تعلم مصيرها الى أن جاءها كوشيب مخاطباً: [(يا هاجر اتي أشطر مننا ؟) تقول هاجر اجبت بالنفي:(لا), هل انت طبيبة ؟ لا ، هل انت ممرضة ؟ لا (اتي عارفة الناس ديل عملوا شنو؟ الناس ديل عاوزين يطولوا يدهم على الحكومة، والبطيل يدو على الحكومة بتتقطع) ، نحن لما حرقنا قراهم ما قلنا إنكم تعالجوهم، ثم حمل (بندقيته) وأطلق رصاصاً كثيفا في الهواء ومن ثم وضع (البندقية ) على رأسها مهدداً ونادى أحدهم يدعى الصبور (يلازم كوشيب في عملياته، وقد تم منحه رتبة لواء من حكومة الإنقاذ نظير عملياته مع كوشيب) وامره برفع غطاء (مشمع ) كان يبدو من الشكل ان تحته بطيخ او شمام، كما ذكرت هاجر التي أغمي عليها من هول المنظر، فقد كان تحت الغطاء رؤوس أشخاص منزوعة من أجسادهم, و بعد ان فاقت أخذ كوشيب رأس أحدهم وضعها أمامها وامر الصبور بحرق القرية التي ينتمي لها القتيل, وهددها مجدداً بقوله : (نحن عرب يا هاجر والفينا عوعا تاني ما بكاكي (مثل شعبي) نحن الحكومة استعانت بينا ما عشان نخذلها والله تاني أشوفك تساعدي زول أخت راسك مع الناس ديل) ثم تركها تنصرف .

فتح بطنها بالسكين

كانت فتحية الدومة تسير مع جاراتها (12امرأة) لتقديم واجب اجتماعي في القرية المجاورة، وبالرغم من أنها حبلى لكن آثرت الذهاب معهم , بينما كن يتسامرن في الطريق , كان كوشيب في تطواف مع بعض جنوده على ما يبدو قام بقطع طريقهن واغتصابهن بالتناوب، ومن ثم أمر فتحية بالوقوف, وسألها إن كانت تعرف نوع جنينها (ذكر أم انثى) اجابت بالنفي , جال بنظره الى الأخريات وسألهن إن كانت إحداهن تعرف نوع الجنين داخل بطن فتحية اجبن بالنفي، حينها قال لهن أنا سأخبركن, فاستل سكيناً كان يلبسه في ذراعه اليسرى وقام ببقر بطنها وأمرهن بالنظر اليها لمعرفة الجنين وتركها تسبح في دمائها وسط ذهول وصراخ وصدمة بقية النساء وذهب .

قتل المشايخ بفأس

قبل يوم واحد من تنفيذ مجزرة مدينتي مكجر ودليج (سردنا تفاصيلهما في حلقات سابقة) اقتادت المليشيات عدداً من العمد والمشايخ لقتلهم بتهمة عدم الإدلاء بمعلومات عن مكان تواجد عبد الواحد محمد نور، وكانت حكومة الإنقاذ تبحث عنه وتظن أنه مختبئ بمنطقة وادي صالح, قام كوشيب باختيار مجموعة منهم تضم سبعة من رجال الإدارة الأهلية وقام بقتلهم بنفسه وهم : ( ثلاثة من قرية ماسا : العمدة آدم حسينو والشيخ إسماعيل والشيخ آدم ابكر رزق , واثنان من قرية قابا : العمدة جدو خميس عبدالكريم والشيخ زكريا ابكر آدم , آضافة للفكي هارون عبدالرحمن من قرية سوقو و محمد سليمان من قارسيلا) استخدم فأسه في قتلهم جميعاً الواحد تلو الآخر أمام أكتر من ألف من المعتقلين آنذاك ظناً منه أنهم من يخبئون عبدالواحد، كما ذكر الناجون من المجزرة.

(رأس انسان)..علامة نصر

عندما قام كوشيب بحرق قرية (كراع جداد) قتل أحد المشايخ المشهورين جداً بالمنطقة وفصل رأسه عن جسده، وقام بوضعه أمام عربته (التاتشر ) وثبته كعلامة للنصر، واحتفل حيث طاف كل القرى وعدداً من المدن بوادي صالح في استعراض للقوة و(سيرة) فرح بالنصر، حسب رواية عشرات من ابناء المنطقة الذين شاهدوا الحدث .

حالات نفسية وجنون

تحدث حاتم خليفة محمد- محلية وادي صالح – قارسيلا بحسرة عن انتهاكات علي كوشيب، الذي كان يدخل بعض البيوت بنفسه ويختار الضحايا حسب هواه ويقتلهم بصورة مهينة، على حد قوله، لا يستخدم الطلقة التي تريح القتيل مباشرة بل يلجأ لأسلوب القتل بالتعذيب فيضرب ويركل بالأرجل وأحياناً يقوم بقطع أذن أحدهم او أنفه , ويمثل به حياً قبل أن يموت تحت وطأة التعذيب بعد ذلك, ووصف حاتم الإنسان بدارفور بمسلوب الكرامة من قبل المليشيات، وقال إنه شاهد كوشيب يقتل النساء والأطفال في مجزرة 2004م الذي كان هو أحد الناجين منها، وأكد أن عشرات من ابناء المنطقة يعيشون حالات نفسية صعبة من صدمات مناظر الجثث لذويهم او طرق القتل، وأن بعضهم قد أصيب بالجنون , وذكر أن النساء أكثر الفئات التي عانت نفسياً بسبب الاغتصابات المتكررة والتي تتم بعضها أمام ذويهن بصورة مهينة لإذلالهن, كما عانين من قتل أطفالهن بصورة وحشية امام أنظارهن بالذبح او الحرق, ذكر آدم عمر أن دفعته إبراهيم إسحق قد أصيب بالجنون عندما قام كوشيب في أحد الأيام بإلقاء القبض على عشرة من الشباب وأمرهم بالاستلقاء على الارض وقام بذبح تسعة منهم، وكان إبراهيم هو العاشر حيث قام كوشيب بمسح السكين على ملابسه، وخاطبه :(انت نضفنا فيك الدم المرة دا) وتركه، وما إن رأى الدماء تسيل من مرافقيه ولحظات هول خروج الروح من (صراخ وفررة) حتى فقد عقله وأصبح مجنوناً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *