أعمدة صحفية

الأزمة الإقتصادية وأزمة العملات الصعبة { ٢ } :

الكتلة النقدية وخيار تغيير العملة متزامناً بتعديل التشريعات وإصدار تشريعات جديدة أكثر صرامةً وردعاً ..

 

سيد الحسن عبدالله

تناولت في المقال السابق إن الفاقد من عائدات الصادر والتهرب الضريبي، والجمركي، هم أس بلاء عجز الموازنة، حيث إنها تمثل أهم مصادر إيرادات الدولة لمقابلة منصرفاتها. وأشرت ان إسترداد الفاقد من بنود الإيرادات هذه يتطلب قانوناً صارماً ، ورادعاً لتحصيلها، وإدخالها تحت ولاية وزارة المالية لكي تتمكن وزارة المالية من فرض ولايتها علي نسبة اكبر تخفض من الرقم المهول من نسبة المال العام خارج ولاية وزارة المالية والذي ذكره السيد رئيس الوزراء والبلاغ قدره ٨٢%.
° عودة لعائدات الصادر :
° طالعتنا صحف يوم الثلاثاء ٢٢ سبتمبر بأن بنك السودان المركزي قد حظر ، عدد ٤٧ مصدر ، حظر مصرفي شامل ، بسبب عدم التزامهم بسداد حصائل صادر إستحقت سابقاً .. وسبق أن أصدر بنك السودان قوائم مماثلة في السابق ،، منها مثالاّ لا حصراً التالي :
° في أغسطس ٢٠١٩م حظر بنك السودان المركزي  بشكل شامل، ١٢٨ شركة من العمل المصرفي، عمّمها في قائمتين منفصلتين على المصارف ، لعدم الإلتزام بسداد حصيلة صادرات إستحقت لفترات سابقة، فيما أنذر ٤٥ شركة تعمل في قطاع الماشية ، لذات الأسباب.
° بداية العام ٢٠١٨ قام بنك السودان بحظر مماثل ل ١٣٠ شركة إستيراد وتصدير لإستحقاقات عائدات صادر عن أعوام سابقة.

° ملحوظة :
إن قرارات بنك السودان بالحظر المصرفي فقط غير ذات فعالية في إسترداد عائدات الصادر السابقة و محفزة لعودة هذه الشركات للعمل بنفس الطريقة بأسماء أخري …
ولطالما وردت كلمة {إستحقاقات} في قرار الحظر ،، وفي ظل حالة الطواريء الإقتصادية ،، فيجب تفعيل قانون الطواريء والردع بأقسي العقوبات الواردة في القانون ،، لتحصيل ما لم يتم إسترداد عوائد الصادر في خلال فترة وجيزة لا تتخطي الأسبوع أو الإسبوعين …

كما يجب علي بنك السودان التعامل بكل شفافية وإعلان أسماء الشركات ومبالغ الإستحقاقات في كل الأجهزة الإعلامية ،، لتنوير المواطن بأكبر الشبكات والتي لها نصيب الأسد في تصعير نار الأزمة الإقتصادية ..

كما يجب تحذير الشركات المصدرة غير المحظورة ،، والمنتجين وتجار أسواق المحاصيل وسلع الصادر عموماً من التعامل معها لتكون عٍبرة لغيرها من الشركات المصدرة ،، لكيلا تخرج من الباب بالحظر وتدخل من الشباك لقائمة المصدرين …

الكتلة النقدية :
الكتلة النقدية التى أتناولها في هذا المقال هى الكتلة النقدية وأطرح مقترح المعالجة متمثلاً في تغيير العملة ، متزامناً مع سن القوانين الصارمة لمنع مسببات التشوه الإقتصادي وعلي رأسها حركة وإستخدامات الكتلة النقدية للمضاربات في العملات الصعبة، والتي تعتبر أسهل وسيلة للمضاربات ، وكذلك المضاربات في السلع الضرورية التي تمثل عصب معاناة المواطن ، علماً بأنه من المفترض توجيه نسبة عالية من هذه الكتلة للعمليات الإنتاجية من زراعية، وصناعية، ورعوية وخدمات تنمية، وبنية تحتية ،، هذا إذا توفرت لدي أصحاب رؤوس الأموال الدافع الوطني ، ولا اعتقد إن جُل أصحاب هذه الأموال يقدمون الدافع الوطني علي المنفعة الشخصية ، واللهث وراء العائدات السهلة من المضاربات. وللأسف نزعة المنفعة الشخصية سيطرت علي معظم السودانيين كتركة مثقلة من العهد البائد من القاعدة حتي أعلي قمة السلطة … علماً إن الإستثمار في الإنتاج والتصنيع في الموارد المتميزة والمتفردة المتوفرة والغير مستغلة تشبع رغبات التملك وتحقيق المنفعة الشخصية مع الإستدامة بصورة أفضل من المضاربات الآنية، وبنسبة أخطار منخفضة جداً مقارنة بنسبة الأخطار العالية في المضاربات.
كل هذه الميزات سوف يتمتع بها رأس المال أولاً والدولة ثانياً إن تم إستغلالها في الإستثمار في الإنتاج والتصنيع بجودة تناسب الأسواق العالمية ، وليس للمنفعة الشخصية فقط الناتجة من المضاربات ذات الخطر العالي ،،، علماً بإن العائد العالي نتيجة لقاعدة معروفة (كلما كان الخطر كبير كلما زادت العوائد)، عليه تسقط صفة الإستدامة في المضاربات مع زيادة المخاطر ، وإرتفاع إحتمالات وقوعها ، ويكفي ما يتم تداوله في أسواق العملات الصعبة و الذهب بأن من يتعرض لخسائر في السوق نتيجة المضاربات تؤدي لإخراجه من السوق في ضربة واحدة ، ويصبح من الصعب جداً الولوج للسوق مرة أخري . ومفهوم ثقافة المضاربات أصبح مترسباً كثقافة نتيجة لممارسات العهد البائد في التعامل مع أصحاب رؤوس الاموال من خارج دائرة كوادر وأسر المجموعة الحاكمة ، وإشتراطات الولاء لممارسة عمل تجاري نظيف ، مما أرغم رؤوس الأموال الغير موالية لتسلك طريق المضاربات رغم مخاطره ، مع إستغلال السلطة لحماية المضاربات من الملاحقة بالقانون لكوادر السلطة الحاكمة ، وإستهداف الغير موالين بتطبيق القوانين المفصلة تفصيلاً عليهم .
هذه الثقافة تتطلب زمناً لتغييرها وإستعادة الثقة في المنافسة الشريفة ، والظرف الإقتصادي الحالي لا يحتمل الإنتظار ، لذا وجب علي الحكومة وضع سياسات عاجلة متزامنة مع إصدار وإجازة تشريعات صارمة التنفيذ ورادعة العقوبات لقفل منافذ المضاربات مما يرغم رؤوس الأموال بالتوجه للإستثمار في قطاعات الإنتاج المختلفة …
ولا بد من أن أشير الى إنه في ظل الكتلة النقدية الكبيرة المتداولة تركت الباب مفتوحاً ليصبح مرتعاً آمناً لغسيل الأموال، وتسويق العملات المزورة من محلية وعملات صعبة ، والتي أصبحت كلها سمة شائنة من سمات تشوه الإقتصاد . وحسب تقديرنا نري إن الطريق لإزالة التشوهات الإقتصادية أصبح واحداً دون توفر بدائل أخري ومتمثل في :

١ – قفل كل منافذ المضاربات بالردع بالقانون الصارم وبعقوبات في قمتها السجن وإن أجازها المشرع لتكون إعدام ستكون آكثر فعالية ،، حيث المضاربين لا تهددهم المصادرات والغرامات ،، لكنه لا يرتضون ما يمس حياتهم وحريتهم الشخصية في الحركة وتقييدها يتم بالسجن بقوانين رادعة.
٢ – وضع سياسات تشجيعية لرأس المال الوطني للإستثمار بحوافز تفوق الحوافز التي يحصل عليها المستثمر الأجنبي، وتسهيل الحصول علي رخص العمل .
دولة اندونيسيا لتشجيع المستثمر المحلي وخاصة الصناعات المنزلية اصدرت قانوناً بأن تاريخ بداية العمل يبدأ من يوم تسليم طلب الترخيص لشيخ القرية، والذي يقوم بمتابعة الإجراءات مع السلطات ،، نظامهم شبيه بنظام الادارات الاهلية.
٣ – من أهم المعالجات إضافة لما ذكرت أعلاه ،إستبدال العملة بتصميمات جديدة و بعلامات تأمينية متعددة درءاً للتزوير ( للعلم العلامات التأمينية تفوق ال ١٥ علامة تأمينية ، عملتنا الحالية لا تتخطي الاربعة او خمسة علامات تأمينية). مثلاً، دولة إثيوبيا بالرغم من معدل نموها الإقتصادي المتصاعد، وبالرغم عن قلة التشوهات الناتجة من الكتلة النقدية المتداولة،ألا أنها أصدرت قراراً بتغيير العملة قبل أيام،مع أصدرار مجموعة قوانين تحكم التداول خارج النظام المصرفي، منه منع تداول أكثر من عشرة الف بٍر إثيوبي من المعاملات النقدية، ماعدا ذلك تتم المعاملات بالطرق المصرفية المعروفة، اما العلامات التأمينية في عملتهم الجديدة عدد ٨ علامات تأمينية ، مع تحديد سقف للتعامل النقدي {مثل الإثيوبيين} مع واقعنا السوداني لا أعتقد سيكون فعالاً في ظل بنيتنا التحتية المصرفية الضعيفة وتنقصنا ثقافة التعامل المصرفي.
٤ – تمعنت جيداً في تصريح الملحق الإعلامي للسفارة الإندونيسية بالخرطوم في عام ٢٠١١ حيث حققت نسبة تعتبر من أعلي معدلات النمو الإقتصادي :
{إن النجاح الإقتصادي في دولة إندونيسيا هو ثمرة النجاح في إدارة الضريبة والمالية للدولة، مع التركيز على التخفيف من عبء الديون} ..
وحسب معرفتي ببعض ملامح قانون الضرأئب الإندونيسي المذكور ضمناً في التصريح ، أري أن يصاحب تغيير العملة بالتصميمات الجديدة مع علامات تأمينية آمنة، تعديل قانون الضرائب بإضافة مادة في قانون الضرائب الإندونيسي تعمم علي كل الدوائر الحكومية المرتبطة بتسجيل او تعديل الملكية للعقارات والمصانع والآراض الزراعية وكل ما هو مرتبط بشهادات الملكية.
شرح المادة بالصورة المبسطة، في حالة شراء أي مواطن لعقار او مصنع أو أراضي زراعية، بعد عمل العقد مع البائع ودفع كامل القيمة، وإستلام كل المستندات المطلوبة لتعديل الإسم من المالك البائع الي إسم المالك الجديد المشتري ، يجب أن تتضمن هذه المستندات {شهادة سرد التاريخ الضريبي للمال المدفوع ، هذه الشهادة مرتبطة بالرقم الضريبي والرقم الوطني} للمال المدفوع كقيمة لشراء العقار، كي تتأكد مصلحة الضرائب أن الدولة إستوفت حقها كضرائب للنشاط الذي ولّد وكوّن هذا المال المدفوع ، وما دون هذه الشهادة من الإستحالة تعديل الإسم بإسم المشتري في كافة الدواوين الحكومية المختصة، بالرغم من دفع المشتري كامل القيمة للبائع.
أن نظام الضريبة بالسودان من الصعوبة إن لم يكن من الإستحالة معرفة أو إصدار {شهادة التاريخ الضريبي} . مما يصعب تطبيق نص المادة المذكورة إلا في حالة إستثنائية وحيدة وهي حالة تغيير العملة لتكون سنة تغيير العملة هي سنة الأساس لبداية التأريخ الضريبي لأي مال ،، علي إعتبار نسيان ما سبقها من تهرب وممارسات تحصيل غبر متماشية مع القوانين …
وما بعد سنة الأساس ،، سنة تغيير العملة ستتمكن الدولة ممثلة في مصلحة الضرائب لمراقبة ومراجعة التاريخ الضريبي لأي مال من الكتلة النقدية المتداولة ،، وطرق تحصيله وإستيفائه لكافة الضرائب … لتحقيق :
{١} إستيفاء تحصيل كافة الضرائب علي اي نشاط تجاري أو وظيفة … ويحتفظ الممول (المواطن بكل مستندات مدفوعاته الضريبية لتقديمها لمصلحة الضرائب في حالة طلبه {شهادة التاريخ الضريبي} ..
{٢} قفل كل منافذ العمل بالطرق الملتوية لإكتناز المال بطرق غير قانونية … منها عوائد ما يسمي بالسماسرة الواقفين في العملة والعربات والعقارات وحتي البضائع داخل الأسواق .. علي أن تكون السمسرة والوسطاء بسجلات رسمية لممارسة النشاط ودفع كافة مستحقات الدولة الضريبية للمارسة النشاط ..
{٣} سد منافذ غسيل الأموال في السوق السوداني لهشاشة قوانينه سابقاً وسهولة ممارسة الغسيل وما كان يصاحبها من فساد وإفساد وتدمير للإقتصاد القومي ..
{٤} تمكن سياسة شهادة السجل التأريخي الصريبي الدولة بتفعيل مبدأ من أين لك هذا ، وهذا يعني ان علي كل صاحب مال عظيم ان يوضح مصدره والا فلا يأخذ القانون مجراه .
{٥} تغيير العملة وتطبيق سياسة شهادة التاريخ الضريبي ستضمن إيقاف قيام أي جهة أخرى غير الحكومة بطباعة النقود ،، حسب ما هو متداول أن هناك كيانات غير حكومية أو فوق- حكومية ،، غير مختصة بطباعة النقود تقوم بطباعة النقود و تقوم بضخها في السوق مما يزيد الكتلة النقدية المتداولة وخلق مزيداً من التشوه الإقتصادي .
نسأل الله أن يهدي أولي الأمر لما فيه خير للدولة والأمة …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق