أعمدة صحفية

ترنيمات على وتر البؤس (2) ـ طعم “المؤامرة”

"معادلات" علي يس

 

 

  • شهرٌ مرَّ .. و الشارع المزدحم الذي تجلس فيه بائعة الشاي العجوز ، حواء ، تغيرت فيه أشياء كثيرة خلال هذا الشهر ، أي منذ وفود الفتاتين الأثيوبيتين بموقديهما ، و الآن أصبحن – على مرمى بصرها – أربعاً ..
  • ابنتاها الآن تجلسان بجانبها ، تساعدانها أو تراقبان حركة الشارع المزدحم ، فقد تركتا مكانيهما ، بعد أن تركهما الزبائن ، أولئك المتسكعون من الشباب و الكهول ، بحجةٍ تبدو وجيهة : ثقيلتان ..!! فالأثيوبيتان الجميلتان سرعان ما كشفتا ثقل و تزمت ابنتي حواء ، و سلبتا زبائنهما ، و الآن أصبحن أربعاً ..
  • حواء لا تؤمن بـ”نظرية المؤامرة”.. و لكنها ، في الوقت ذاته ، لا تستطيع تجاهل ظاهرة غريبة تجري حولها ، كما تجري في الحي الذي تسكنه .. لا تستطيع أن تجيب السؤال : من أين تأتي كل هؤلاء الفتيات الصغيرات ؟ في كل بيت تقريباً خادمةٌ منهن الآن ، و في الأسواق لم يعد لبائعات الشاي “الوطنيات” مكانٌ .. و في الأحياء ، المئات منهن يستأجرن منازل ، في المنزل الواحد خمسون أو ستون فتاة ، هؤلاء لم يجدن عملاً حتى الان !!..
  • هي وحدها ما زالت صامدة ، فقط لأن زبائنها القدامى ما يزالون على العهد .. و ربما صمدت معها بعض صغيرات السن ، أو حتى من كُنَّ في سن ابنتيها ، إذا هُنَّ جارين الوافدات في ما يبذلنهُ للزبائن .. قالت لها بنتها الكبرى إنه ليس مما يضير أن تباسط زبائنها في الحديث ، أو تضحك لنكاتهم الخليعة ، أو – حتى – تغضَّ الطرف عن تحرشات بعضهم الصفيقة ، ما دام هذا يحفظ لها “السوق” ، و ما دامت هي لا تنجرف إلى ما هو أبعد .. “الأثبوبيات هؤلاء يفعلن كل شيءٍ يا أمي!!” ..
  • أحست حواءُ بالدوار و هي تسمع ابنتها تقول هذا .. صفعتها صفعة أوقفت حركة الطريق حولها .. ثم انخرطت الاثنتان في موجة بكاء .. حواء لم تصفع أياً من بناتها من قبل ، ولكنها تحس الآن بخطر داهم ، خصوصاً وهي تجترُّ ما حدث لابنة صديقتها “كلتوم” ، التي كانت زميلة لها ذات يوم  في الطرف الأقصى من السوق ..
  • من يقف وراء هذا ؟ سؤالٌ يتسكعُ في خاطر حواء .. لماذا أصبحت الأسواق ملجأ الشباب من طلاب المدارس والجامعات ، بعد أن كانت الأندية  في الأحياء هي محطات لياليهم ؟ لماذا يُسمحُ لهؤلاء الوافدات الصغيرات الجميلات بفتح “محلات” تقدم “الشيشة” للشباب ، بجانب الشاي و القهوة ، و أشياء أخرى يعلمها الله وحده؟؟..
  • خادمة جارتها في الحي ، جاءتها مُرسلة ذات مساء ، لبعض أغراض الجارة ، فسألتها عن بلدها ، و أهلها ، و ما يجبرها على الهجرة إلى بلدٍ غريب للعمل؟ الفتاة الصغيرة “مارتا” قالت إنها جاءت من قريةً تبعد عن “إديس أبابا” مسافة نصف يوم ، وأنها جاءت ضمن أُخريات على أقدامهن، عابراتٍ الحدود ، مشين ليلاً و نهاراً ، من يدركها التعب فتسقط يتركونها حيث هي ، و خلفهن رجالٌ قساة ، يحملون سياطاً .. جاءت لأنهم قالوا لها إن في السودان مالاً كثيراً تستطيع الفتاة منهن جنيه بقليل من العمل .. أسرتها تكاد تموت جوعاً ، ودعها أبوها و أمها و هما يبكيان ، وهي مضت باكية تقول لأمها أنها سوف تبعث لهم المال حالما تصل و تعمل …
  • حواء لا تدري ما إذا كانت الفتاة صادقة في روايتها أم كاذبة ، و لكنها تشم رائحة مؤامرة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق