تحقيقات

السودان يقترب من الخروج من لائحة الإرهاب بعد تقديمه طلبا لأسر ضحايا “كول” بشطب الدعوى.

الخرطوم : عمار عوض

أعلنت وزارة العدل السودانية اكتمال اتفاق التسوية، الذي كان قد تم التوصل إليه في فبراير 2020 مع أسر وضحايا المدمرة كول؛ الذين كانوا يباشرون إجراءات قضائية ضد حكومة السودان أمام المحاكم الأمريكية، وقالت – في بيان تحصلت عليه (القدس العربي)-:” بناءً على ذلك، قدم الطرفان عريضة مشتركة إلى المحكمة المختصة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ الجمعة، الموافق الثالث من إبريل الجاري، لشطب الدعاوى المعلقة؛ الخاصة بالمدمرة كول ضد السودان، مما يؤدي إلى إنهاء هذه القضايا بشكل كامل ونهائي من قِبل المحاكم في الولايات المتحدة.”

وكانت القدس العربي؛ اطلعت على الطلب المشترك الذي قدم الى قاضي المحكمة الاتحادية في فرجينيا؛ الذي لم يحوي أي إشارة إلى قيمة مبلغ التسوية، في حين أشار مصدر مطلع على الملف في وزارة العدل؛ الى أن مبلغ التسوية الذي قدم من جانب الحكومة السودانية يصل الى نحو 80 مليون دولار؛ وفق اتفاق سابق أبرم من قبل وزير العدل، بعد زيارة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك للولايات المتحدة؛ والذي أوضح – عند وصوله مطار الخرطوم من واشنطن – أن مسألة التعويضات هي النقطة الوحيدة التي تقف أمام رفع السودان من قائمة الإرهاب .

يأتي ذلك.. في وقت حوى بيان وزارة العدل أمس إشارة الى هذه النقطة؛ بعد ما جاء فيه ” إن رفع اسم السودان من هذه القائمة هو أمر ضروري ولازم لإزالة هذه الوصمة من على تاريخ الشعب السوداني، وإعادة السودان مرة أخرى للاندماج في المجتمع الدولي ليمارس دوره البنّاء كدولة فاعلة في المحيطين الإقليمي والعالمي”، وأضاف البيان؛ ” إن إغلاق القضايا المتعلقة بالإرهاب، وهي جزء من التركة الثقيلة الموروثة من النظام المباد، وتطبيع العلاقات بين السودان والولايات المتحدة وبقية دول العالم؛ لهو شرط لازم لإنهاء العزلة الدولية وإعادة العلاقات المستقرة المثمرة والمتطورة التي تتطلع وتعمل من أجلها الحكومة الانتقالية”.

وفي السياق نفسه؛ لفت المصدر العدلي المطلع على تفاصيل القضية؛ إلى أن ملف رفع اسم السودان من لائحة الإرهاب؛ بات وشيكا بعد الانتهاء من الشق القانوني، وقال:” نحن الآن أكملنا كل الاشتراطات القانونية التي طلبها الأمريكان في السابق؛ والمتمثلة في إنهاء القضية مع أسر الضحايا، باعتبار أنها شأن يخص مواطنين أمريكيين، ولا يمكن للإدارة الحالية، التطبيع مع السودان دون إنجاز هذه التسوية التي هم ساعدونا فيها كثيرا”، لكنه استدرك قائلا: ” من الصعب فهم خطوة الإمريكان القادمة ربما يخرجوا لنا مطالب جديدة؛ لم نكن نراها في السابق؛ لكن من ناحية مطالبهم السابقة نحن أوفينا بها”.

وكانت أسر الضحايا رفعت القضية في فترة الرئيس السابق عمر البشير متهمة السودان بتقديم الدعم لتنظيم القاعدة؛ مما ساعدهم لاحقا في تفجير المدمرة الأميركية (كول)، التي كانت تتزود بالوقود في ميناء عدن باليمن. وأدت العملية إلى مقتل 17 بحارا وجرح 39 آخرين.

وكانت الخرطوم شهدت جدلا مكثفا الأيام الماضية؛ حول مصدر الأموال التي تم تسديد قيمة التسوية منها، بعد أن شهد السودان ارتفاعا غير مسبوق؛ ومفاجئ لسعر الدولار مقابل الجنية السوداني؛ والذي ارتفع بنسبة 40% في أقل من أسبوعين، فيما أشارت الصحف السودانية  الى أن المبلغ تم تسديده من حساب صندوق الضمان الاجتماعي الذي يخص المعاشيين السودانيين، لكن وزارة المالية بادرت بإصدار بيان أمس الأول تنفي من خلاله هذا الادعاء وهو الذي جاء فيه:” ما تناقلته الصحف غير صحيح على الإطلاق، إننا نودُّ أن نؤكد وبكُلّ وضوح ، أنّ المبلغ قد تمّ تسديدُه من الموارد الذاتية للبلاد، ومن حسابات وزارة المالية.” فيما أشارت مصادر لـ(القدس العربي) إلى أن المبلغ تم توفيره من شركات منظومة شركات الصناعات الدفاعية التي تتبع لوزارة الدفاع، بينما قال مصدر آخر بالمالية:” إن ارتفاع سعر الدولار نتج من قيام بنك السودان شراء مبلع التسوية البالغ 80 مليون دولار من السوق الموازي عبر البنوك المحلية؛ بعد أن فشلنا في الحصول على المبلغ من الدول الصديقة التي تعايش اقتصاد الكروونا هذه الأيام، وقدرنا أن المصلحة تقتضي تسديد المبلغ حتى لا تفقد التسوية التي حددت بمواقيت زمنية؛ وإن لم يتم الاستيفاء بها سيقود ذلك الى إلغائها والعودة لمبلغ قرار المحكمة الذي يصل الى 2 مليار دولار”.

ولكن من الواضح أن العلاقات السودانية الأمريكية صارت تتقدم للأمام؛ حيث لم يحول انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بالتصدي لجائحة كرونا من التواصل مع السودان، حيث أجرى وزير الخارجية مايك بومبيو اتصالاً هاتفياً مع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك – خلال الأسبوع الماضي – وأكد الطرفان مجدداً خلال المهاتفة؛ أهمية نجاح الفترة الانتقالية في السودان، كما شدد وزير الخارجية الأمريكي – خلال المهاتفة – على دعم بلاده للحكومة المدنية الانتقالية وجهودها في بناء سلام مستدام، وامتدت المناقشات بين الطرفين لتشمل إجراءات ومتطلبات إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما تحاور الجانبان – خلال المحادثة – حول الوباء العالمي كورونا (كوفيد ١٩)، وكيفية تطوير التعاون السوداني الأمريكي لمحاربة الفيروس.

وقال مايك بومبيو – في تغريدة على تويتر – إنه أجرى اتصالا مع حمدوك لمناقشة التقدم المحرز في التحول الديمقراطي في السودان، وأضاف بقوله: (نحن ملتزمون بدعم الحكومة الانتقالية بقيادة مدنية وسعيها لتحقيق سلام دائم في السودان).

وتشير القدس العربي؛ إلى أن هذه المفتاحية تزامنت مع أمرين أولهما: وصول مبلغ التسوية الى الولايات المتحدة، والأمر الثاني تصريحات السفيرة السودانية المعيّنة حديثا في واشنطن؛ أميرة عقارب؛ المهاتفة تزامنت مع تصريح من السفارة السودانية في واشنطن أكدت – من خلاله – أن ملف إزالة اسم السودان من لائحة الإرهاب بات وشيكا؛ وذلك عندما قالت لموقع (الحرة الأمريكي):” لقد قطعنا شوطا كبيرا في هذ القضية، ونأمل طيها في القريب العاجل”.

فيما يرى كثيرون أن وجود السودان في قائمة الإرهاب يقف حجر عثرة أمام التحويلات المالية، لكن السفيرة السودانية أميرة عقارب؛ نفت ذلك، وقالت: ” لا توجد أي علاقة بين ملف الإرهاب والتحويلات، وإن كان شطب السودان من قائمة الإرهاب سيسهل عليه مشاكل أخرى عديدة؛ من بينها إزالة الديون الخارجية، والحصول على قروض من المؤسسات الأجنبية”.

يشار إلى أن الإدارة الأميركية كانت أكدت أن من حق الشركات الأميركية إجراء تعاملات مالية مع السودان. ودعما لذلك التوجه، كان عدد من المسؤولين الأميركيين بالسفارة الأميركية في الخرطوم؛ قد قاموا بفتح حسابات في بنك الخرطوم.

وترفض البنوك في الولايات المتحدة إجراء تحويلات بنكية إلى السودان؛ خشية التعرض لعقوبات؛ كون السودان موجود على قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكن عقارب أكدت – في ذات التصريح – أن مسألة التحويل المالي من الولايات المتحدة إلى السودان لا ترتبط بمشكلة وضع بلدها على قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقالت: “إن السماح بإجراء تحويلات بنكية أمر أكد عليه المبعوث الأميركي إلى السودان دونالد بووث بنفسه” في نهاية يناير الماضي بأديس أبابا، وذلك استنادا إلى وثيقة صادرة عن  مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأميركية “أوفاك”.

عقارب، التي تعتبر أول سودانية تتبوأ منصب سفيرة في أميركا، قالت إن ما يحدث بخصوص عملية التحويلات الآن ” ليس سوى مخاوف” من جانب المصارف الأميركية التي تظن أن إجراء معاملات مالية مع السودان تنطوي عليه عقوبات مالية، مع أنها “في غير محلها”، مشددة على أنها تقوم بجهود حثيثة لتبديد هذه المخاوف بالتواصل مع نظرائها الأميركيين، وعقد اجتماع شامل مع قادة تلك المصارف لإطلاعها على حقيقة قرار الإدارة الأميركية، وأضافت: “منذ تسلمي مهامي بواشنطن؛ كان موضوع التحويلات المالية إلى السودان، أحد أولوياتي، ولن أدخر جهدا في حل المشكلة بالكامل، فهي لا تؤثر سلبا على السودان فحسب، بل على العديد من الشركات الأميركية”.

وأعربت عن ثقتها بأن بدء عملية التحويلات المالية بين السودان والبنوك الأميركية مسألة وقت ليس إلا، وقالت في ذلك: “سودان اليوم ليس سودان الأمس، لقد قمنا بالكثير لإزالة إرث النظام القديم الذي أسهم في عزل السودان عن أسرته الإقليمية والدولية، والجهود لا تزال مستمرة لتحقيق تطلعات السودانيين في العيش بكرامة وحرية”.

وكان بنك السودان المركزي قد اتخذ العديد من الإجراءات والسياسات لإنجاز مسألة التحويلات المالية مع المصارف الأميركية، من دون أي مخاطر. وقالت عقارب: إن وفدا من البنك كان من المفترض أن يزور واشنطن هذا الربيع بخصوص هذا الموضوع، غير أن المهمة أُجِّلت بسبب انشغال السودانيين والعالم بوباء كورونا الكارثي.

كل هذه المؤشرات تشير بجلاء إلى أن العلاقات الأمريكية السودانية تمضي بخطى ثابتة نحو التطبيع الكامل؛ حيث كان من المقرر أن يزور رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان؛ واشنطن هذا الشهر؛ لكن تم تأجيل الزيارة بعد إغلاق الحدود، الى جانب إنهاء آخر الشروط القانونية بجهة رفع السودان من قائمة الإرهاب؛ ومن ثم إتاحة التحويلات البنكية؛ ما يمكن أن يرفع الاقتصاد السوداني من وهدته الذي يعاني كثيرا من الضربات؛ بعضها من أنصار النظام القديم، وبعضها من جائحة الكرونا؛ التي تمسك بخناق البلد، فهل ستنجح هذه الجهود أم ستكون الكلمة لأنصار النظام البائد، ويحدثوا تغييرا يقضي على كل ما تحقق؟، هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة بكل تأكيد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *