أعمدة صحفية

ما هو الوطن الذي نحلم به؟

اقرأ في هذا المقال
  • سيد نفسه من لا سيد له
  • نحن أحرار بمقدار ما يكون غيرنا أحرارا
  • ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق
  • حيث تكون الحرية يكون الوطن
  • ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق
  • إذا تكلمت بالكلمة ملكتك وإذا لم تتكلم بها ملكتها

هذا السؤال ليس سهلاً، إنه سؤال الأسئلة، قد يقود إلى الثورة السلمية، وقد يقود إلى ثورة مسلحة وقد يؤدي إلى القبر أو السجن أو المنفى كما أنه قد يقود إلى الحُرية والرفاهية أو المدينة الفاضلة.

إذا أردتُ أن أجاوب عن هذا السؤال ببساطة ودون أية تعقيدات ومصطلحات فإنني أحلم بالآتي: وطن الحُرية الشخصية، وأعني بالحُرية الشخصية، حُرية أن تكون ما تريده طالما لا يتعارض ذلك مع حُرية الآخرين، حُريتي في اختيار ديني، أو ألا أختار أي دين أو عقيدة، حُريتي في ممارسة عقيدتي إذا وجُدت، وأن أدعو اليها بالطرق السلمية دون إكراه أو تحرش أو تهديد أو كذب أو تلفيق بكل الوسائط السلمية المتاحة، حريتي في ميولي الجنسي، أن أبقي على نوعي الطبيعي أو أن أتحول إلى النوع الذي أرغبه، وهذا بالطبع لا يتعارض مع حُرية أي كان، إنها مسألة شخصية بحتة، لا علاقة لها بالدولة الا فيما يخص باب حماية الحق. حُرية السفر والتنقل والترحال، حُريتي الاقتصادية، حُريتي أن أقرأ ما أشاء من الكتب وأن أكتب ما أشاء ولا تحد حرية الكتابة سوى الالتزام بعدم التعرض الجنائي على الآخرين، وعندها يقوم القانون بعمله. حُرية النشر وحُرية التوزيع حُرية الإعلان: وطن حُر لإنسان حُر.

أحلم بسلطة تحمي وتضمن حُريتي السياسية، الترشيح والانتخاب. حريتي في الاحتجاج السلمي ضد الحاكم، بالتظاهر أو الاعتصام أو الإضراب السياسي أو العُصيان المدني، فالحاكم ليس مقدساً ولا ظل الله في الأرض وليس معصوماً ليس استثناءً ويمكن إلغاء حصانته وفقاً للدستور: فهو مسؤول ومساءل أمام الشعب.. حكم مدني، رئيس مدني، مجلس رئاسة مدني، وزراء مدنيون، حتى وزير الدفاع مدني، مجلس تشريعي من المدنيين، معتمدون من المدنيين، حكام ولايات مدنيون: لا مكان للعسكريين سوى الثكنات. وطن فيه فصل واضح ما بين السُلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

وطن المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، في كل الحقوق السياسية والمدنية: كل ما هو حق للرجل هو حق للمرأة، وطن ليس فيه تمييز وفقاً للنوع أو اللون أو الدين أو العقيدة أو الأمكنة أو اللغة أو الجنس أو الميلاد أو النسب أو الحسب أو الإرث أو الهُويات المكتسبة أو المتخيلة أو المُدعاة أو الهُويات المفروضة: الوطن للجميع.

وطن يحترم لغتي الأم ويحميها ويرعاها.

أحلم بوطن فيه الإنسانية مقدسة، دم الإنسان مقدسٌ، حُريته مقدسة، ومقدسٌ أيضاً اختياره.

ما هي مهمة الدولة: حماية الحُريات، حماية الحياة، حماية الأرض. من خلال المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية: لا تتدخل الدولة في عقيدة الإنسان، فليس للدولة عقيدة إنها كائن اعتباري لا وجود له خارج المؤسسات المدنية، لا روح ولا جسد، كائن وهمي متفق على وجوده للضرورة التنظيمية، رأسه المجلس التشريعي، أطرافه المؤسسات التنفيذية أخلاقه المؤسسة القضائية، دمه الشعب: لا يلد ولا يولد ولا يرث ولا يورث لا يموت ولا يُخلق من العدم، لأن وجوده وجود افتراضي بحت، وجود عن اتفاق أو كما يقول جان جاك روسو: عقد اجتماعي.

لا يهمني من يحكم، طالما يفهم أنه يجب عليه أن يحكمني وأنا حي، لا يصادر حقي في أن أكون، وحياتي تعني حريتي. وحريتي لا تتحقق إلا في ظل دولة القانون، دولة العدالة البشرية هنا على وجه الأرض، ليست مسؤوليته عما يكون عليه حالياً في السماء أو بعد مماتي، ولا من حقه أن يشفق عليَّ لأنه يعتبرني قاصراً أحتاج للإرشاد أو ضالاً لأحتاج للهداية، تلك مسؤوليتي أنا الشخصية إنها اختياري الذي سأتحمل مسؤوليته وحدي وأنا ملزم به، فالحاكم ليس مرسلاً من أجلي لإصلاحي، إنه منتخب من قبلي للمحافظة على حقوقي وحمايتي: من الجهل بتوفير فرص التعليم، من الفقر بتوفير فرص العمل من المرض بتوفير الرعاية الصحية من القتل والعبودية بتوفير الحماية الشرطية والعسكرية.

تلك الإجابات البسيطة، هي نفسها التي تؤدي إلى الوضع المُعقد جداً، إنها التي تحمل حراس الفضيلة الى اعتقالك أو سجنك أو قتلك باسم المعتقد، والتمرد على سلطة الحاكم الذي بينه وبين نفسه يعتبر ذاته ظل الله في الأرض، الحاكم باسمه، أولئك الذين عندما يقتلونك يظنون أنهم يقدمون خدمة لله: حركوا الجيوش باسمه زوراً وبهتاناً، فأبادوا الشعوب، قتلوا الشباب وبقوا في بيتوهم يسرقون وينهبون ويفسدون ويكنزون الدولارات والذهب والفضة. ما كانوا سيسفكون قطرة من دم الإنسان إذا علموا أن الاختلاف هو حق إنساني، والاحتجاج حق سياسي، وأن الهُوية ليست دائماً اختياراً!

هذه الإجابات التي تضعك في ظل الدولة الثيوقراطية: عدوٌ للشعب والحاكم وخارجاً عليه يجب قتله.

وفي ظل الدولة المدنية العلمانية: إنساناً مدنياً وديعاً مسالماً وطيباً يجب حماية حياته.

عبد العزيز بركة ساكن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق