تحقيقات

الإعلام الحكومي.. “توهان” في زمن “الصحيان”

لا يملك الجرأة ويعتمد الطريقة "الناعمة"

تقرير: حنان عيسى

ظل أداء الإعلام الحكومي محل نقد من قبل الخبراء والمختصين في الإعلام، حيث يرى الكثير من هؤلاء أنه وصل لدرجة من الضعف في إدارة النقاش، وطرح القضايا الحيوية التي ترتبط بالمرحلة.

ويرى الخبراء أن الإعلام لا يملك الجرأة في طرحه، ويعتمد الطريقة “الناعمة” في إدارة الحوارات، التي تظهر الجانب الإيجابي، الأمر الذي وضعه في مرمى نيران كثير من النقاد، باعتبار أن تلك الحوارات تشير إلى أن الإعلام الحكومي يسيطر عليه الضعف، ما يلقي بظلاله في تراجع أداء الحكومة الانتقالية.

ويعيد الحوار الذي دفعت به إدارة الإعلام بأمانة مجلس الوزراء، مع رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك، ونشر في عدد من الصحف الأسبوع الماضي، للذاكرة طريقة إدارة الدولة للإعلام في عهد النظام البائد.

فقد كانت طريقة إجراء الحوارات مع المسؤولين هذه، محل نقد المختصين في الإعلام، بينما قال السكرتير الصحفي لرئيس  الوزراء البراق النذير الوراق إن القصد من نشر الحوار في الصحف هو إتاحة الفرصة لوصوله لأكبر عدد من الناس.

ويقر البراق بأن الحوار لم يحمل جديدا، ولا علاقة له بالأحداث التي تشهدها البلاد على الصعيد السياسي، وغيره، لجهة أنه حوار اجتماعي شخصي خاص بمجلة أمانة مجلس الوزراء وأجري بواسطة موظفي الأمانة.

ووفقا للبراق ذاته، فإن الدعوة لنشر الحوار في الصحف، جاءت من مكتب الإعلام في مجلس الوزراء، وليس من مكتب رئيس الوزراء، ويوضح أن توقيت نشره يرجع لمسائل فنية متعلقة بصدور المجلة، وهو تقليد درجت الأمانة منذ قت طويل على إجرائه حتى من قبل الثورة.

وأجريت في عهد النظام البائد حوارات عديدة مماثلة ونشرتها الصحف، طبقا للبراق، الذي يري أيضا أن تغير هذه الطريقة المتبعة لا يتم إلا بإلغاء مجلة الأمانة نفسها، إذا أردنا حوارات مختلفة، باعتبار أن هذا الأمر جزء من نظامها.

لقاءات مفتوحة

ويشير البراق في إفادته لـ”المواكب” إلى أن الترتيب للقاءات مفتوحة للصحفيين مع رئيس الوزراء، شأن خاص يقرر فيه رئيس الوزراء والسكرتير الصحفي وكل شيء يجب أن يمشي في مواعينه.

ويضيف بالقول “رئيس الوزراء لم يكن له جدول لقاءات إعلامية طوال الأشهر الثلاثة الماضية، وهذا الحوار مرتب له منذ أشهر طويله ولم يكن مقصودا نشره في توقيت معين، ولكن تم حسب الجدول”.

ويكشف البراق عن ترتيبات لجدولة لقاءات صحفية للإعلاميين مع رئيس الوزراء خلال الأيام المقبلة، تتغير جدولتها وفقا  للمتغيرات السياسية بالبلاد والأزمات.

ويؤكد أنها ستكون لقاءات مختلفة، ولن تكون مع رؤساء التحرير، مثلما كان يحدث في عهد النظام البائد، وإنما مع  خبراء وصحفيين كبار وصغار، شفافة تطرح فيها أسئلة وأجوبة مفتوحة بدون تقييد.

حجب المعلومات

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ شهد الوسط حادثة اشتباك صحفيين مع إعلام وزارة التجارة والصناعة، عندما قامت  بإنشاء قروب على تطبيق التواصل الاجتماعي الأشهر “واتساب”، غير الذي كان معتمدا من قبل، وأضافت أعضاء جدد وحصره عليهم، ما قاد إلى توجيه انتقادات شديدة لأداء إدارات الإعلام في الحكومة الانتقالية من الوسط الصحفي.

واعتبر الكثير من الصحفيين هذه الخطوة امتدادا لممارسات  كانت تتم في ظل النظام البائد، الذي ما زال يسيطر على غالبية مفاصل العمل الإعلامي الحكومي من حجب للمعلومات، وتعقيد تواصل الصحفيين مع المسؤولين، مستدلين بحصولهم على المعلومات من وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تتأخر التصريحات والتوضيحات حول القضايا من إعلام السلطة الانتقالية.

ضعف وغياب

وينفي مدير إعلام وزارة المالية الاتحادية غازي حسن الاتهام الموجه إليهم بحجب المعلومات عن الصحافة وعرقلة وصولها للمسؤولين، ويلقى باللائمة على بعض الصحفيين في تجاوز  إدارات الإعلام.

ويقول حسن “بعض الصحفيين يجو بالشباك وتتفاجأ بنشر لقاء مع مسؤولين بالمؤسسة عبر الاتصال المباشر”.

ويرجع البطء في الرد على كثير من القضايا للتحقق من المعلومات قبل نشرها، وإلى أي مدى تخدم المؤسسة.

ويقر حسن بضعف إعلام الدولة لغياب التخصصية والتدريب المستمر والثقة، خاصة وأن أغلب الإدارات الإعلامية بالمؤسسات الحكومية لا تعمل بالهيكل الإداري الصحيح ودورها وظيفي فقط وتفتقد لكادر مهني متخصص ومعدات تواكب سرعة تناول المعلومات، بجانب أنها تعاني فجوة بينها وقيادتها العليا وغياب تواصل داخلي وعدم تفهم أهمية دورها وتجاهلها.

ويضيف قائلا “أي موظف زعلانين منو ينفوه لإدارة الإعلام”.

وعلى صعيد إدارته ،يشير حسن إلى أنها تعمل بانسجام مع قيادتها ولا تواجه مشكلة كادر أو معدات.

أسس وقواعد

وبالعودة لحوار رئيس الوزراء المنشور في الصحف، يقدم أستاذ الأجيال  محجوب محمد صالح، نقدا مباشرا للحوار، واصفا طريقة إجرائه بأنها غير صحيحة.

ويقول صالح “أي صحيفة تحترم نفسها لن تقبل نشره لكونها لم تقم بالترتيب ووضع الأسئلة سوى كانت الرئيسية أو الفرعية”.

ويضيف “اللقاءات التي تجريها الصحف تقوم على أسس وقواعد وهي من تقرر الطريقة وكيفية إدارته، وبالتالي مثل هذه اللقاءات تعتبر بيانات رسمية من حق الصحف عدم التعامل معها”..

ويرى صالح أن نشر مثل هذه الحوارات المصنوعة من إدارات الإعلام أو عدم نشره يخضع لسلطة الصحف، بحيث إن رئيس التحرير يملك حق  نشرها إذا وجد فيها ما يستحق النشر أو رفضها ورميها في سلة المهملات، وليس هنالك إلزام على الصحيفة، لجهة أنه لا يمثل بيانا رسميا، وإنما اجتهاد من إدارة الإعلام مع المسؤول المعني وهذا ليس هو الأسلوب  الذي تتعامل به الصحف التي تحترم نفسها مع المسؤولين لكونها من يبادر بالذهاب للمسؤول، فاذا كتب لها عنوان جاهز يجب أن تمزقه وترمي به في السلة.

علامات استفهام

وكانت المطالبة بإزالة التمكين وتحرير الإعلام الحكومي من قبضة النظام المباد واحدة من أهداف ثورة ديسمبر، التي ينتظر الوسط الصحفي ومن قبلهم المواطن تحقيقها.

غير أن اللافت في الأمر أن غالبية من يديرون العمل الإعلامي بمؤسسات الدولة الآن هم من أذيال النظام البائد وكل التلفزيونات والإذاعات الولائية ما زالت تحت قبضته.

ويلقى كثيرون باللائمة على الحكومة لعدم تفكيك إدارات الإعلام في الوزارات المعنية، ما عدا قرارات تخص صحف وقنوات في وقت ظل الإعلام الحكومي، بعيدا عن التفكيك، مما يطرح علامات استفهام حول مدى جدية لجان التفكيك في استرداد الحقوق وبسط القانون وعدم التراجع في القرارات الصادرة في إطار إعادة هيكلة الخدمة المدنية..

وتعترف رئيس لجنة التفكيك بوزارة الإعلام إلهام محمد بضعف عمل لجان التمكين، وتصفه بغير الملموس، لجهة أنها لا تملك صلاحيات اتخاذ القرار المباشر، وإنما تكتفي برفع ملاحظات ومؤشرات للجنة العليا الخاصة بإزالة التمكين.

وتؤكد إلهام لـ”المواكب” أن عملية التأخير في تصفية مؤسسات النظام البائد، وفرت فرصة لأشخاص لتبديل ملفات أو إزالتها أو إدخال بعض التعديلات عليها وهي مشكلة كبيرة عامة واجهت كل اللجان.

تجاوزات التمكين

وتنوه إلهام إلى أن التمكين تم في كل الوحدات الحكومية بالدولة، بحيث لا تخلو منه وحدة، ولكن اتفق الجميع على أن الانتساب للوطني ليس جريمة، ولكن الذي أفسد وأخذ حقوق غيره يحاسب.

وتضيف “هنالك من ظلم وهنالك من استمر في درجات وظيفية مدة( 20و25 ) سنة، وآخرين وصلوا قمة الهرم الوظيفي في (10) سنوات فقط”.

وتوضح إلهام أن اللجنة باشرت عملها في يناير وغطت حتى الآن 80% من الوحدات التابعة للوزارة، وراجعت التمكين في (10) وحدات، وجمد العمل في وحدتين (الإذاعة والتلفزيون) لحين انجلاء جائحة الكورونا، بعض الحالات التي تم رصدها العمر لا يتناسب مع الدرجات التي يشغلونها وبعضهم مؤهلاتهم لا تتناسب مع الدرجات الوظيفية لهم  .

سنوات التمكين

من جهته، ينتقد المختص في الشأن الإعلامي ماهر أبو الجوخ توصيف الإعلام الحكومي بالضعف، ويعتبر ذلك حكما إطلاقيا غير دقيق.

لكن الجوخ يعود ويقول إن ذلك لا ينفي عنها صفة التأثير، ويستشهد بواقعة اتحاد المخابز فيما يتعلق بزيادة أسعار الخبز وتهديد الوزير باتخاذ إجراءات ضدهم وأثره الفوري في إيقاف التظاهرات التي صاحبت ذلك.

ويرى أن تفكيك التمكين في إدارات الإعلام بالمؤسسات الحكومية يخضع لتقديراتها، وليس كل الإدارات تحت سيطرة النظام البائد.

ويرجع الجوخ ضعف الإعلام الحكومي في نقل الوقائع لطبيعة النظام الشمولي السابق وبنية الأجهزة نفسها وسنوات التمكين والإضعاف المتعمد لهذه الأجهزة.

ويدلل على ذلك بقنوات الشروق وطيبة والأندلس وما دفع لها من دعم حكومي وتسهيلات على حساب الأجهزة القومية (الإذاعة والتلفزيون).

انهيار المؤسسات

وينوه الجوخ إلى أن النظر لهذا الضعف يأتي في سياق التمكين وتسكين كل من هب ودب في هذه المؤسسات مما خلق ترهلا وظيفيا وكوادر غير مبدعة.

ويرى أن مجمل الوضع في هذه الأجهزة نتاج خراب (٣٠) عاما وظف فيها النظام البائد أسوأ الكوادر ومكنها في مواقع  اتخاذ القرار، حيث سيطرت على العاملين فيها واستهدفت الكوادر المتميزة وهمشتها لإخفاء ضعفها مما أدى لانهيار هذه المؤسسات.

ويؤكد الجوخ أن هؤلاء من أوردوا التلفزيون موارد الهلاك بنشر مواد مسيئة ضد الثورة و”خفافيش الظلام”، و”الخرطوم تنتحب”.

ويشير إلى أن هذا الضعف وضحت استراتيجيته بعد اتفاقية السلام ٢٠٠٥م، حتى لا يحقق النظام البائد مطالب أطراف التفاوض بحقهم في المشاركة في الأجهزة القومية ووجودهم في المحتوى، فتحايل بعمل أجهزة بديلة، وعندما لم يجد طريقة لإصلاح المؤسسات الرسمية القومية بعد ٢٠١١م تركها تتهاوى حتى وصلت لهذا المستوى الآن.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *